ليست الصورة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره وهو يحتسي قنينة جعة أمام أنظار راشدين مجرد حادثة عابرة تستفز الرأي العام لبضعة أيام ثم تختفي وسط زحام الأخبار إنها صورة تختزل مأساة أعمق، وتفتح نافذة واسعة على أسئلة مؤجلة حول واقع الطفولة في المغرب، وحول المسافة الفاصلة بين ما تنص عليه القوانين وما يعيشه الأطفال في حياتهم اليومية.
لقد صُدم كثيرون بالمشهد، ليس فقط لأن طفلاً ظهر وهو يتعاطى مادة لا يجوز أن تكون في متناول يديه، بل لأن الصورة كشفت درجة من التطبيع مع انتهاك براءة الطفولة فالأخطر من الفعل نفسه هو ذلك المحيط الذي سمح بحدوثه، ونظرات الراشدين التي بدت وكأنها تتعامل مع الأمر كواقعة عادية لا تستدعي التدخل أو المنع أو الحماية.
في العمق، لا يتعلق الأمر بطفل واحد، بل بصورة مصغرة عن واقع أكبر فخلف هذه اللقطة توجد آلاف القصص التي لا تصل إلى الكاميرات ولا تثير الضجيج نفسه هناك أطفال يغادرون المدرسة قبل الأوان لأن الفقر أقوى من أحلامهم، وأطفال يشتغلون في سن يفترض أن يكونوا فيها داخل الفصول الدراسية أو ملاعب اللعب، وأطفال يعيشون تحت وطأة العنف الأسري أو الإهمال أو الاستغلال، وأحيانًا تحت تأثير بيئات اجتماعية تطبعهم مبكرًا مع سلوكات وممارسات تهدد مستقبلهم النفسي والصحي والأخلاقي.
والمؤلم أن المجتمع لا ينتبه غالبًا إلى الطفولة إلا عندما تقع الفاجعة أو تنتشر صورة صادمة أما الانتهاكات اليومية الصامتة التي تتراكم في الأحياء الهامشية والقرى النائية وبعض الفضاءات العامة، فإنها تمر أحيانًا دون مساءلة حقيقية وكأننا أصبحنا نتفاعل مع أعراض الأزمة بدل مواجهة أسبابها العميقة
لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة منظومة قانونية ومؤسساتية مهمة لحماية حقوق الطفل فالدستور يقر بحقوق الطفولة، والقوانين الوطنية تجرم أشكالًا متعددة من الاستغلال والعنف والإهمال، كما أن المملكة صادقت على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا بإلحاح لماذا لا تزال صور ومعاناة من هذا النوع تتكرر رغم وجود كل هذه الترسانة القانونية؟
الجواب يكمن في أن حماية الطفولة ليست قضية نصوص فقط، بل قضية إرادة مجتمعية وسياسات عمومية فعالة وآليات ميدانية للرصد والتدخل فالقانون، مهما كان متقدمًا، يفقد جزءًا من فعاليته عندما لا يجد مؤسسات قوية لتفعيله، وعندما لا تصاحبه ثقافة مجتمعية تعتبر الطفل قيمة عليا لا يجوز المساس بها.
إن حماية الأطفال لا تبدأ عند المحاكم أو مراكز الرعاية، بل تبدأ داخل الأسرة تبدأ حين يدرك الآباء والأمهات أن التربية ليست مجرد توفير الطعام واللباس، بل بناء إنسان متوازن نفسيًا وقيميًا وتستمر داخل المدرسة التي يفترض أن تكون فضاءً للأمان والتنشئة والمواطنة، لا مجرد مؤسسة لتلقين المعارف وتمتد إلى الإعلام الذي يتحمل مسؤولية نشر ثقافة الحقوق والوعي، بدل تحويل بعض المآسي إلى مادة للاستهلاك العابر
كما أن المجتمع المدني مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالعودة إلى أدواره التربوية والتحسيسية، خصوصًا في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة التي جعلت الأطفال عرضة لتأثيرات جديدة ومعقدة فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط ضد الفقر أو الهدر المدرسي، بل أصبحت أيضًا ضد أشكال جديدة من الاستلاب والتطبيع مع العنف والإدمان والتفكك القيمي.
ومن المفارقات المؤلمة أن النقاش العمومي حول الطفولة ينشغل أحيانًا بتفاصيل الحوادث أكثر من انشغاله ببناء الحلول فبدل أن تتحول كل واقعة صادمة إلى فرصة لمراجعة السياسات العمومية وتعزيز آليات الحماية، ينتهي الأمر في كثير من الأحيان إلى موجة غضب إلكترونية سرعان ما تخبو، بينما يبقى الواقع على حاله
إن الطفل الذي ظهر في تلك الصورة ليس موضوعًا للشفقة فقط، بل هو ناقوس خطر يدق في وجه الجميع إنه يذكرنا بأن الطفولة المغربية ما زالت تواجه تحديات حقيقية تتجاوز الشعارات والخطابات الاحتفالية ويذكرنا أيضًا بأن الأمم لا تُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو بحجم المشاريع الكبرى، بل بقدرتها على حماية أضعف فئاتها وصون كرامتها
فالطفولة ليست ملفًا قطاعيًا يخص وزارة بعينها، وليست شأنًا جمعويًا محدودًا، بل هي قضية مجتمع بأكمله وكل إخفاق في حماية طفل هو إخفاق جماعي يمس صورة الوطن ومستقبله لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط إدانة الصورة التي أثارت الرأي العام، بل مساءلة الظروف التي جعلتها ممكنة، والعمل على ألا تتكرر في صور أخرى أكثر قسوة وأشد إيلامًا
لأن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة هي أن ما ظهر في تلك الصورة قد يكون صادمًا، لكن ما خفي من معاناة الطفولة في كثير من الأحيان أعظم وأشد وحين يصبح الدفاع عن حقوق الطفل ممارسة يومية لا رد فعل موسمي، وعندما تتحول الحماية من شعار إلى سياسة ومن نص إلى واقع، عندها فقط يمكن أن نقول إن المجتمع اختار أن ينتصر لمستقبله قبل أن ينتصر لأطفاله.






