لا يمكن أن يمر حدث في المغرب دون أن يتركنا غارقين في الاستغراب.. ربما نحن البلد الديمقراطي الوحيد الذي يصفق بعض أكاديمييه ومحلليه لأن الحكومة نجت من المساءلة، ويعتبرون فشل تشكيل لجنة لتقصي الحقائق انتصارا سياسيا يستحق الاحتفاء.
في البلدان الأخرى، حين تنجو حكومة من الرقابة، ينشغل النقاش بالسؤال عما إذا كانت المؤسسات قد أدت وظيفتها كما ينبغي. أما عندنا، فيبدو أن بعض النخب وجدت نفسها تحتفل بالنتيجة ذاتها، وكأن المهمة الأساسية للديمقراطية لم تعد مساءلة السلطة، بل حمايتها من المساءلة.
والحال أن أحدا لم يطالب بإسقاط الحكومة، ولم يدعُ إلى تجاوز المؤسسات، ولم يشكك في نتائج الانتخابات. كل ما في الأمر أن هناك من طالب بتفعيل آلية دستورية أوجدها المشرع نفسه من أجل البحث في وقائع تهم الرأي العام.
لكن مجرد الحديث عن هذه الآلية كان كافيا لكي ينطلق بعضهم في الدفاع عن حق الحكومة في ألا تُسأل.
الذين يذكروننا صباح مساء بأن الديمقراطية تقوم على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ينسون أن الديمقراطية لا تنتهي عند الصندوق. فالصندوق يمنح السلطة شرعية الحكم، لكنه لا يمنحها حق العيش بعيدا عن الأسئلة.
وإلا فما الحاجة إلى البرلمان أصلا؟ وما الحاجة إلى هيئات الحكامة والرقابة؟ وما الحاجة إلى لجان التقصي والتحقيق إذا كان كل من حصل على الأغلبية العددية يستطيع أن يعتبر كل مساءلة استهدافا سياسيا له؟
إن جوهر الفكرة الديمقراطية بسيط جدا،، المواطن لا يسلم صوته يوم الانتخابات ثم يختفي من المشهد خمس سنوات كاملة. بل يحتفظ بحقه في المعرفة، وفي السؤال، وفي متابعة كيفية تدبير الشأن العام.
لهذا لا أفهم حقيقة ذلك الحماس الذي رافق سقوط مبادرة لجنة تقصي الحقائق. لأن الحكومة لم تنتصر على الفقر، ولم تنتصر على الغلاء، ولم تنتصر على البطالة، ولم تنتصر على أزمة الثقة المتنامية بين المواطن والسياسة. كل ما حدث أنها نجحت في تفادي آلية رقابية كان يمكن أن تتيح للرأي العام قدرا أكبر من المعطيات والتوضيحات.
قد يقول قائل إن الأغلبية ليست مطالبة بالتوقيع على لجنة قد تسبب لها الحرج السياسي. وهذا صحيح من زاوية الحسابات الحزبية الضيقة. لكن الدولة ليست حزبا، والمؤسسات ليست مجرد أدوات في معركة انتخابية دائمة. فحين يتعلق الأمر بالحقيقة، يصبح من حق المواطن أن ينتظر من الفاعل السياسي ما هو أكبر من مجرد التفكير في الربح والخسارة.
المثير في هذه القضية ليس موقف الأغلبية، فالأغلبية تدافع عن نفسها كما تفعل كل أغلبيات العالم. المثير حقا هو أن بعض المثقفين والأكاديميين قرروا الاحتفاء بهذا السلوك وتقديمه للرأي العام باعتباره درسا في الديمقراطية.
والحال أن كبار منظري الديمقراطية فهموا المسألة بصورة مختلفة تماما، فقد رأى روبرت دال أن الديمقراطية الحقيقية تقاس بقدرة المواطنين على محاسبة من يمارس السلطة باسمهم. أما توم كريستيانو فاعتبر أن الانتخاب ليس تفويضا مطلقا للحاكم، بل بداية علاقة مستمرة من المساءلة والتبرير والمراقبة.
شخصيا لا يهمني لماذا فشلت المعارضة في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق؟..السؤال الأهم هو كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها جزء من "([النخبة])" يحتفل لأن السلطة نجحت في تجنب المساءلة؟
فالديمقراطية التي تخشى الأسئلة ليست قوية كما تبدو، والسلطة التي تنزعج من الرقابة ليست واثقة كما تدعي. أما الحقيقة، فلم تكن يوما خطرا على المؤسسات السليمة، بل كانت دائما أحد أسباب قوتها.






