قبل المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب إفريقيا، التقطت كاميرات النقل المباشر حافلة المنتخب المكسيكي وهي تشق طريقها نحو الملعب وسط أحياء شعبية وصفيح، في مشهد عفوي لم يحاول أحد حجبه أو إبعاده عن أعين العالم.
الولايات المتحدة بدورها تنظم كأس العالم وفق رؤيتها الخاصة ومعاييرها الوطنية، دون اكتراث كبير بإرضاء الآخرين، بما في ذلك الفيفا نفسها، التي تبدو في هذه النسخة أقل تأثيرا من أي وقت مضى. حتى بعض القرارات المرتبطة بالبطولة، مثل الجدل الذي أثير حول الحكم الصومالي أرتان، عكست أن صاحب الأرض هو من يضع القواعد النهائية.
أما كندا، فتبدو وكأنها تتعامل مع الحدث بمنطق مختلف.
في المقابل، شهدنا في تجارب أخرى عبر العالم، وخاصة في بعض البلدان الصاعدة، حرصا كبيرا على تقديم نسخة مثالية من الدولة أمام العالم، حيث تُسخّر إمكانيات ضخمة لصناعة صورة ذهنية محددة لدى الزوار والمشاهدين.
أحيانا ينجح ذلك في ترك انطباع إيجابي، وأحيانا أخرى يتحول إلى نوع من التجميل المؤقت الذي ينتهي بانتهاء البطولة.
الدول الواثقة لا تخشى الكاميرا، لأنها لا تعتبر البطولة امتحانا لوجودها، بل مناسبة لتقديم نفسها للعالم كما هي، بكل إنجازاتها وتحدياتها، وبكل ما راكمته من قوة وما تطمح إلى تحقيقه مستقبلا..
والمفارقة أن المغرب عاش شيئا من هذا النقاش خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم 2025، فرغم أن البطولة جرت بمعايير تنظيمية غير مسبوقة قاريا، سواء على مستوى البنيات التحتية أو النقل أو الملاعب أو الخدمات اللوجستية، ظل هناك من يبحث عن أي تفصيل صغير لتحويله إلى قضية كبرى..
في المقابل، لم نر المستوى نفسه من الجدل خلال مونديال أمريكا، رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي اشتكى منها آلاف المشجعين في المطارات ومنافذ الدخول، ورغم الظروف المناخية الصعبة التي واجهت بعض المنتخبات، حيث عانى اللاعبون والبدلاء أحيانا من درجات حرارة مرتفعة للغاية، في وقت لم تكن فيه حتى بعض مناطق دكة الاحتياط مجهزة بالوسائل الكافية لحجب أشعة الشمس والحرارة.
لذلك، فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه المغرب في أفق مونديال 2030 ليس بناء الملاعب أو الطرق أو المطارات، بل بناء ثقافة جماعية قادرة على التمييز بين النقد الذي يهدف إلى التطوير والنقد الذي يتحول إلى هواية في جلد الذات، فالعالم لا ينتظر من المغرب أن يكون مدينة فاضلة، بل ينتظر أن يرى بلدا حقيقيا، واثقا من نفسه، قادرا على تنظيم حدث استثنائي دون أن يفقد شخصيته أو يدخل في سباق مرهق لإرضاء الجميع..






