مجتمع وحوداث

هل ما زالت الثقة ممكنة بين وزير العدل والمحامين؟

حميد النهري (أستاذ جامعي/ رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية)
لم يعد النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد خلاف تشريعي حول بعض المواد القانونية أو الصلاحيات المهنية كما لم يعد مجرد سجال سياسي عابر يمكن احتواؤه بتصريح أو لقاء أو وساطة ظرفية.

فالبلاغ الأخير الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب والذي أعلن التوقف الشامل والإنذاري عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع يكشف أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة عنوانها فقدان الثقة أكثر مما هي خلاف حول النصوص.

ويكتسب هذا السؤال راهنيته أكثر بعد انتقال الملف من مرحلة تبادل المواقف والبلاغات إلى مرحلة الاحتجاج المهني المنظم في خطوة تعكس حجم التوتر الذي بات يطبع العلاقة بين الوزارة والجسم المهني. وهنا يطرح السؤال الحقيقي:

هل ما زالت هناك ثقة كافية بين وزير العدل والمحامين تسمح بإخراج إصلاح متوافق عليه أم أن الأزمة تحولت إلى مواجهة شخصية وسياسية أصبح من الصعب فصلها عن المشروع نفسه؟

في تقديري هذا هو أصل المشكل الحقيقي.

الإصلاح ضرورة لكن المنهجية مسألة أخرى!!

لا أحد يجادل اليوم في أن مهنة المحاماة تحتاج إلى إصلاحات حقيقية. ولا أحد يستطيع إنكار وجود إشكالات جدية مرتبطة بالحكامة والتدبير المالي وأوضاع المحامين الشباب وآليات التمثيلية المهنية والتحديث المؤسساتي.

بل إن أول من ناقش هذه الاختلالات وطالب بإصلاحها هم المحامون أنفسهم.

غير أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد فالمهنة بدورها تواجه أسئلة حقيقية تتعلق بالحكامة والشفافية والتكوين وأوضاع المحامين الشباب والتفاوتات المهنية. وهي قضايا تستحق نقاشًا داخليًا جادًا بعيدًا عن منطق الدفاع التلقائي أو منطق الاتهام المتبادل.

لكن الإصلاح شيء ومنهجية الإصلاح شيء آخر.

فالتاريخ يعلمنا أن الإصلاحات الكبرى لا تفشل دائمًا بسبب مضمونها بل بسبب الطريقة التي يتم بها إعدادها وتقديمها وتنزيلها على الفاعلين المعنيين بها.

ولهذا فإن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن فقط في المواد القانونية محل الخلاف بل في المناخ الذي أصبح يحيط بها.

فكلما تطورت الأحداث ازداد الشعور بأن العلاقة بين الطرفين لم تعد قائمة على الحوار والثقة بقدر ما أصبحت قائمة على الشك المتبادل وتبادل الاتهامات والأحكام المسبقة.

محاكمة مهنة أم إصلاح مهنة؟

قد يكون من الطبيعي أن تنتقد وزارة القطاع او الدولة نفسها اختلالات بعض المهن كما أنه من حقها أن تسعى إلى تطويرها وتحديثها. لكن من غير الطبيعي أن يتحول النقاش العمومي إلى ما يشبه محاكمة جماعية لمهنة بكاملها أمام الرأي العام.

فوجود اختلالات داخل المحاماة لا يعني اختزال المحاماة في تلك الاختلالات.

كما أن وجود تجاوزات فردية أو إشكالات تدبيرية لا يبرر تقديم المهنة وكأنها مرادف للسمسرة أو الابتزاز أو البحث عن الامتيازات.

لأن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني كباقي الأنشطة. انها إحدى المؤسسات الأساسية لدولة القانون وإحدى الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة وأحد الرموز التاريخية لاستقلال العدالة.

ولهذا فإن المحافظة على مكانتها ورمزيتها داخل المجتمع لا تقل أهمية عن إصلاحها.

ثم إن الإشكاليات المرتبطة بالحكامة والتدبير والشفافية ليست استثناءً مغربياً. فهي موجودة داخل هيئات المحامين في مختلف دول العالم بما فيها الديمقراطيات العريقة. ومع ذلك لا يتحول النقاش هناك إلى التشكيك في قيمة المهنة أو في ضرورتها داخل المجتمع.

فالفرق كبير بين إصلاح مؤسسة وبين نزع الشرعية الرمزية عنها.

البعد الشخصي وتأثيره في المشهد

وربما تزداد حساسية الوضع عندما يكون مصدر الانتقاد شخصًا ينتمي إلى نفس المهنة.

فأصعب الانتقادات ليست دائمًا تلك التي تأتي من الخارج بل أحيانًا تلك التي تصدر من الداخل لأنها تكون محملة بتاريخ مهني ونقابي وسياسي يجعلها قابلة لتأويلات متعددة.

غير أن الأمر لم يعد يتعلق بمحامٍ يناقش زملاءه داخل هيئة مهنية أو جمعية انتخابية.

نحن أمام وزير في حكومة يقود ورشا يفترض أنه جزء من مشروع دولة لإصلاح العدالة.

ومن هذا المنطلق فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون من انتصر في النقاش أو من ربح معركة التواصل بل مدى القدرة على بناء توافقات تسمح بإخراج إصلاح مستدام ومقبول من مختلف الأطراف.

فالمطلوب من رجل الدولة ليس فقط أن يشخص الأعطاب بل أن يخلق شروط الثقة الضرورية لمعالجتها.

الدولة تستطيع فرض القوانين لكنها لا تستطيع فرض الثقة

لقد حرصت جمعية هيئات المحامين بالمغرب في مختلف بلاغاتها على التمييز بين الحكومة ووزير العدل وبين مشروع إصلاح العدالة وطريقة تدبير الوزير لهذا المشروع.

لكن مع توالي التصريحات والردود والتصعيدات أصبح هذا الفصل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

لأن الرأي العام بدأ ينظر إلى الأزمة باعتبارها مواجهة مباشرة بين الوزير والمحامين أكثر من كونها نقاشا مؤسساتيا حول مستقبل المهنة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.فحين يتحول إصلاح العدالة إلى معركة كسر إرادات يخسر الجميع.

يخسر الوزير فرصة تسجيل إصلاح توافقي ومستدام وتخسر المهنة فرصة تطوير ذاتها وتجديد آليات اشتغالها.

وتخسر الدولة فرصة إنجاح ورش إصلاحي يحتاج إلى الثقة أكثر مما يحتاج إلى الغلبة.

فالدولة تستطيع أن تفرض القوانين لكنها لا تستطيع أن تفرض الثقة.

والإصلاحات الكبرى لا تقاس بعدد المهزومين فيها بل بعدد المؤمنين بها.

ولذلك يبقى السؤال الحقيقي:

هل ما زالت الدولة قادرة على بناء الثقة الضرورية لإصلاح مهنة المحاماة أم أننا دخلنا مرحلة أصبح فيها منطق المواجهة أقوى من منطق الإصلاح نفسه؟

لأن القوانين يمكن تعديلها والمواد المختلف بشأنها يمكن التوافق حولها أما الثقة إذا ضاعت فإن استعادتها تصبح أصعب بكثير من تعديل أي نص قانوني.

وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه اليوم ليس فقط وزير العدل والمحامين بل ورش إصلاح العدالة برمته.