مجتمع وحوداث

مناشدة من أجل وحدة الصف المهني

خالد المروني (رئيس نقابة المحامين بالمغرب)
تمر مهنة المحاماة بالمغرب بمرحلة مفصلية ودقيقة، ليس فقط بسبب ما يحبل به مشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة من مقتضيات تنزع نحو توسيع تدخل السلطة التنفيذية في الشأن المهني، وتقليص مجال التنظيم الذاتي لهيئات المحامين، والاجهاز على 

متطلبات الاستقلال المهني، ولكن أيضاً بسبب الطريقة والمنهجية التي دُبِّر بها هذا الملف خلال المسار التفاوضي، والتي خلفت لدى عموم مكونات الجسم المهني شعوراً عميقاً بعدم الرضا، بل وبخيبة أمل حقيقية من أداء مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، سواء بسبب غياب التواصل والنزوع نحو الكولسة والانفراد بتدبير ملف من شأنه أن يرهن المستقبل المهني لعقود من الزمن، أو بسبب عدم استثمار الزخم النضالي في ابانه لتقوية موقعه التفاوضي، فضلا عن التهديد بالاستقالة الجماعية رغم ان هذا القرار يبدو أقرب إلى ورقة للمزايدة أكثر منه خياراً مؤسساتياً قابلًا للتنفيذ الكامل دون مخاطر على المهنة نفسها.

غير أن الإقرار بهذه الاختلالات في تدبير المسار التفاوضي، وانتقادها بكل جرأة ومسؤولية، لا ينبغي أن يقودنا إلى المساهمة في إضعاف وحدة الصف المهني المرتبط ارتباطا وثيقا بوحدة الفعل النضالي خلال هذه اللحظة المفصلية ، أو إلى الظهور أمام الرأي العام الوطني ، وأمام المؤسسات ذات الصلة بالمهنة في صورة جسم مهني غير موحد ومشتت، لأن التباين اليوم في تقييم الشكل النضالي المعلن عنه لن يُفهم باعتباره اختلافاً ديمقراطياً في وجهات النظر، بل قد يُستثمر في حملة ممنهجة باعتباره مؤشراً على تراجع قدرة المحاماة على توحيد صفوفها دفاعاً عن قيم المهنة وثوابها.

إن الخلاف مع مكتب الجمعية بالرغم من كل المؤاخذات التي نسجلها بشأن منهجية التفاوض، أو طريقة اتخاذ القرار وكيفية إدارة هذه المعركة، و التخبط في تنزيل برنامج نضالي في مستوى تطلعات مكونات الجسم المهني، و تجاهل الجمعية لكل المقترحات الهادفة الى تصويب المسار النضالي و تحصينه ضد عوامل الفشل، هو خلاف مشروع ومرغوب فيه، بل إن محاسبة المسؤولين عنه واجب مهني وأخلاقي لا يجوز التفريط فيه، لكن لهذه المحاسبة سياقها وآلياتها ومؤسساتها، بينما المعركة الراهنة اليوم هي معركة التشبت بوحدة الصف المهني، و التحامه حول خط النضال الوفي لقيم و مبادئ المهنة ، و الانخراط المطلق في كل المبادرات الهادفة الى صد كل محاولات التطاول على رسالة الدفاع، و العبث بمبادئها الراسخة، و الالتزام الراسخ بالصمود في وجه كل الهجمات الشرسة التي تتعرض لها مهنة المحاماة بالمغرب اليوم، و بما يجعل منها معركة تتعلق بصورة المحاماة وقوتها التفاوضية ووحدتها في الدفاع عن قيم المهنة و مبادئها.

لأجل ذلك، فإن الانخراط في قرار لتوقف عن العمل لا ينبغي أن يُنظر له باعتباره تزكية مطلقة لأداء مكتب الجمعية أو تفويضاً مفتوحاً له، أو بمثابة توقيع شيك على بياض، وإنما باعتباره موقفاً واعياً ومسؤولاً يميز بين الحاجة الى دعم المهنة وبين تقييم من يمثلها مرحليا.

إن قوة المحاماة لم تكن يوماً في عصمة مؤسساتها من الخطأ، وإنما في قدرتها على تصحيح أخطائها من داخلها، والانبعاث من رمادها، دون التفريط في وحدتها حين تكون المرتكزات المؤسسة للمهنة على المحك.

فلننخرط في هذه الخطوة الاحتجاجية باعتبارها دفاعاً عن مهنة المحاماة، مع الاحتفاظ الكامل بحقنا في فتح نقاش مهني هادئ ومسؤول، بعد انتهاء هذه المرحلة المفصلية.