رياضة

مونديال 2026 ….تدبير الحلم

عبد الرفيع حمضي

مع انطلاق منافسات كأس العالم  بالولايات المتحدة الأمريكية، تعود كرة القدم لتحتل واجهة النقاش العمومي. وتعود معها التحليلات والتوقعات والقراءات الفنية، فيما تنبض منصات التواصل الاجتماعي بحيوية كبيرة، وتزخر البرامج الرياضية بنقاشات متنوعة حول الحظوظ والإمكانات والنتائج المحتملة. وهي ظاهرة طبيعية، لأن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت فضاء جماعيا للأحلام والآمال والرهانات الرمزية للمجتمعات والدول.

في مثل هذه المحطات الكبرى، لا يتابع الناس فريقا فقط، بل يتابعون صورة لأنفسهم. فكل مجتمع يرى في منتخبه أو أنديته فرصة لإبراز مكانته والتعبير عن قدرته على المنافسة. لذلك يصبح الفوز مناسبة للفخر والاحتفاء، كما تبقى الخسارة جزءا من مسار رياضي طبيعي. إنها لحظة تلتقي فيها الرياضة بالهوية الوطنية، وتتقاطع فيها المشاعر الفردية مع المشاعر الجماعية.

ويبدو هذا المعطى أكثر حضورا في الحالة المغربية. فخلال السنوات الأخيرة، راكمت كرة القدم الوطنية إنجازات مهمة، سواء من خلال المنتخب الوطني الأول أو المنتخبات السنية أو الأندية الوطنية. كما عزز المغرب حضوره قاريا ودوليا، وأصبح اسمه يحضر بانتظام ضمن النقاشات الكروية الكبرى. لذلك لم تعد الطموحات المغربية مجرد أمنيات عابرة، بل أصبحت تستند إلى رصيد حقيقي من العمل والنتائج والنجاحات المتراكمة.

هذه الإنجازات مشروعة وتدعو إلى الفخر والاعتزاز. وهي قبل كل شيء ثمرة عمل طويل واستثمار متواصل في الرياضة الوطنية. ومن الطبيعي أن تولد لدى المغاربة طموحا أكبر وثقة أكبر في المستقبل. فالشعوب التي تحقق النتائج لا تعتذر عن أحلامها، بل تبني عليها أحلاما جديدة. غير أن قوة الحلم لا تقاس فقط بحجمه، وإنما أيضا بقدرتنا على مواكبته بخطاب متزن يجعل من الثقة دافعا للعمل والتطور.

هنا يبرز دور الإعلام الرياضي والمحللين والخبراء وكل من يساهم في تشكيل الرأي العام الرياضي. فليس المطلوب تبريد الحماس أو الدعوة إلى التشاؤم، بل بناء خطاب متوازن يعزز الثقة ويشجع الطموح، دون أن يحول كل مباراة إلى امتحان نهائي أو كل مشاركة إلى وعد مسبق بالتتويج. فالجماهير تحتاج إلى الأمل، لكنها تحتاج أيضا إلى التحليل الرصين الذي يساعدها على فهم واقع المنافسة كما هو.

إن تدبير الحلم لا يقل أهمية عن صناعة الحلم نفسه. فالحلم حين يواكب بوعي ورؤية واقعية يصبح مصدر إلهام ودافعا للتطور، والثقة المتزنة تمنح الجماهير القدرة على دعم فرقها في مختلف الظروف. أما الخطاب العاطفي الخالص فإنه قد ينتج جمهورا عاطفيا خالصا، تتحكم فيه الانفعالات أكثر مما توجهه القراءة الهادئة للأحداث.

وقد أظهرت تجارب رياضية عديدة عبر العالم أن الإفراط في التوقعات لا يخدم الرياضة ولا الجماهير. فالجمهور الواعي هو الذي يحلم دون أن يفقد قدرته على التفكير، ويطمح إلى التتويج دون أن ينسى أن المنافسة الرياضية تقوم أيضا على احتمالات متعددة، وأن النجاح لا يلغي إمكانية التعثر، كما أن التعثر لا يلغي قيمة ما تحقق من إنجازات.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة ليس فقط تحقيق النتائج داخل المستطيل الأخضر، بل أيضا تدبير الثقة وتدبير الحلم خارجه. فالأمم التي تنجح في الرياضة ليست فقط تلك التي تنتصر في المباريات، بل أيضا تلك التي تعرف كيف تحول الشغف إلى وعي، والحلم إلى قوة إيجابية، والثقة إلى رصيد مستدام يرافقها في مختلف المحطات.

وبين ما يقال وما لا يقال… يبقى تدبير الحلم فنا من فنون الانتصار، لأن الطريق إلى النتائج الكبرى يبدأ دائما بحلم كبير، لكنه لا يكتمل إلا بوعي كبير.