المقهى واسع، الأركان شبه فارغة، والمقاعد الشاغرة منتشرة هنا وهناك كأنها تدعوه للاسترخاء بعيدا.. لكن لا...وألف لا !
من بين كل تلك الخيارات الفسيحة، قرر هذا الكائن العجيب أن يختار المقعد المجاور لي تماما. طاولة على طاولة، وكأننا نتقاسم إيجار المكان !
حسنا، بلعت غصتي وركزت على ورقتي وقلت في نفسي: "لا مشكلة، من حقه اختيار المكان الذي يعجبه، ربما هي طاولته المعتادة...وأنا الدخيل !".
لكن "السيناريو" لم يقف هنا...فجأة، استل صاحبنا سيجارة، وبدأ ينفث دخانها بتلذذ شديد منتشيا بالنيكوتين، وكأنه يصور إعلانا سينمائيا.... وفي ضفتي أنا، كان هذا الدخان كفيلا بإشعال فتيل من التقزز والانزعاج الداخلي. الأدهى من ذلك، أنه أمسك السيجارة باليد المحاذية لطاولتي تماما، وكأنه يوجه لي رسالة مشفرة مفادها: "لن تنهي كتابة هذه الورقة اللعينة اليوم !".
قررت الانسحاب التكتيكي من ساحة معركة لا قبل لي بها. سكبت ما تبقى من الشاي في كأسي على عجل، وحملت أشيائي مغيرا المكان صوب طاولة بعيدة عن ساحة المعركة...دون أن أنبس ببنت شفة، وسط همهمات غير مفهومة صادرة عن المدخن/ المعتدي.
أنهيت شايي في مكاني الجديد، ثم توجهت للنادل لأداء الثمن والفرار بجلدي. وهنا كانت المفاجأة !
عاجلني النادل قائلا: "على فكرة.. الرجل المدخن اعتذر منكِ بشدة، وربما لم تسمعه بسبب انشغالك".
نظرت إليه من بعيد، فلوحت له بيدي معلنا السلام، ليرد علي برفع يده الحاملة للسيجارة نفسها... مرسلا لي تحية مبخرة بالدخان.. ومحملة باعتذار متأخر...!
الله يعفو على كل مدخن... !
طاب يومكم.






