كتجربة أولى ينبغي الإشادة بالفيلم وتجاوز هناته، وهي قليلة على كل حال، كما ينبغي أيضا تشجيع صاحبه، فقد يجد نفسه وسط جدل آت لا محالة قد يضيق أو يتسع حسب مدى انتشار الفيلم وكيفية استقبال الجمهور له، وذلك بسبب موضوعه وحساسيته لدى البعض، فالمخرج استخدم -لن أقول عنصر الدين- بل الخطاب الديني المتطرف على لسان فقيه وإمام مسجد القرية، ذاك الشخص الوحيد الذي يتكلم باللغة العربية وسط سكان لسانهم أمازيغي، وهذا يحيل الى حالته الشاذة والغريبة داخل هذه البيئة، ربما هو اسقاط على التطرف الغريب والشاذ الآتي من الشرق الى بلادنا، والذي حاول جاهدا تغيير ثقافتنا وتقاليدنا وإلباسها رداء لا يتناسب وطبيعتها وموروثاتها، وهذا ليس تفصيلا هامشيا، بل اختيار ذكي من المخرج، فعندما يعزل لسان الفقيه عن الباقين، يتحول الى فيروس دخيل في نسيج اجتماعي موحد تشكّل عبر قرون بعاداته وطقوسه وتقاليده التي لا تحتاج إلى وصاية قادمة من بعيد. وهنا يكمن الرهان الحقيقي للفيلم، ليس في توظيف الدين بوصفه عنصرا دراميا للإثارة أو الاستفزاز، كما قد يسارع بعضهم إلى الحكم عليه، بل في تشريح آلية اشتغال الخطاب الديني المتطرف وكيف يتسلل إلى المجتمعات الهشة أو المعزولة ليُعيد تشكيلها على صورته، مُلغيا ما تراكم من ذاكرة جماعية وهوية راسخة.
الجميل أن الفقيه في الفيلم لم يُقدَم كشخصية شريرة كاريكاتورية كما في الكثير من الأفلام، بل جعله أكثر جدية وإقناعا، وأشد خطورة إذ يحمل من الشرعية الدينية ما يكفي لزرع الشك في النفوس، والفتنة بين السكان بل في الأسرة الواحدة، وبالتالي السيطرة والتأثير على القرية ككل وجعل المقاومة أمرا عسيرا. وقد تقمص هنا شخصية الفقيه الممثل والمشخص المتميز عبد الرحيم المنياري، فرغم مشاهده القليلة إلا أنها كانت ذات تأثير كبير، وجعلته يؤدي دورا أظن أول مرة يؤديه في مسيرته، فأنا أول مرة أشاهده في مثل هذا الدور، وقد تفوق فيه بقوة.
الجميل أيضا في الفيلم هو جعل الأكثر تأثيرا بخطاب الفقيه رجال القرية، بينما شبابها الذين نجدهم في اعمال سينمائية ودرامية كثيرة هم الأكثر تأهيلا للتشبع بمثل هذا الخطاب والتأثر به، يقاومون دون عنف ويقفون أمام أبائهم يواجهونهم دفاعا عن فنهم ومكتسباتهم وحريتهم... لتلتحق بهم نساء القرية اللواتي استخدمن كل الوسائل والحيل للتأثير على الرجال وإعادتهم الى رشدهم وصوابهم بعيدا عن سلطة الفقيه، ذاك الذي تتمرد عليه في الأخير كل القرية ويعزل ويطرد، بعدما اكتوى الكل بخسارات متلاحقة في المال والنفوس، حيث أضحت القرية بسب تأثيره بلا اقتصاد، وبلا شباب، وبلا فن، وبلا تعليم... باختصار قرية بلا روح، هي تضحيات كانت مطلوبة لإعادة الروح المسلوبة اليها مجددا.
لن أتكلم بإسهاب عن العنصر التقني والفني فما أثارني وشدني بقوة هو قوة الطرح وتصريفه في مواقف متعددة ومختلفة خدمها السيناريو بتماسكه وبنيته المحكمة، ولا بد هنا من الإشارة إلى اختيار المواقع وطريقة اشتغال الكاميرا في ومع الفضاء، فالقرية هنا ليست مجرد ديكور أو خلفية بصرية، بل هي شخصية بحد ذاتها، لها حضورها وثقلها، وعلي بن جلون يعرف كعادته كيف ينصت للمكان قبل أن يصوره. كما أن أداء معظم الممثلين كان موفقا، وخدم شخصيات الفيلم وجعلها أكثر اقناعا.
قد يقول البعض إن موجة الافلام التي تعرضت للتطرف الديني قد أدت دورها في مرحلة ما ولم نعد في حاجة اليها، وهناك موضوعات أهم، من جهتي لا أرى أن الفن ملزم بجدول أعمال أحد، ولا يجب أن يُحدد للمبدع متى يتوقف عن مساءلة ظاهرة لم تتوقف هي نفسها عن الاشتغال في المجتمع، فالتطرف لم يُعلن اعتزاله بعد، ولم يطوِ صفحته لأن بعض الأفلام تناولته، وهذا الفيلم بالذات أتى بالجديد، وسرد خطابا مغايرا بالنسبة لسينمانا، خطابا يحمل في طياته الكثير، أولها الإشارة الضمنية إلى أن التطرف لم ينبت من تربتنا، بل جاء مستوردا، محمَلا على ظهر خطاب يدّعي الأصالة والشرعية وهو في جوهره اقتلاع للجذور والتراث، وهذا بالنسبة لي يكفي وزيادة، وما يزيد هذا الطرح ثقلا ورسوخا هو أنه جاء مُلبَّسا بثوب البساطة، متمثلا في حكاية قرية وأناسها وفقيهها، دون ادعاء فلسفي أو تضخيم أيديولوجي، وكأن المخرج يقول إن الحقيقة لا تحتاج إلى تقعير وتكلف وتصنع، تكفيها وقفة هادئة وبسيطة.






