فن وإعلام

قل لي منذ متى كان الصراخ يوقظ الموتى؟

أحمد الطاهري (صحفي وكاتب)
« قل لي منذ متى كان الصراخ يوقظ الموتى؟".

بهذا السؤال الفادح، أنهت الصديقة الكاتبة سلمى مختار أمانة الله، روايتها الجديدة الموسومة ب"قبل السقوط بقليل"، الصادرة حديثا عن (المركز الثقافي للكتاب)، في 205 صفحات من القطع المتوسط.

في إحدى عشر فصلا، وما بين ساعتين وسبع وعشرين دقيقة وساعتين وسبع وأربعين دقيقة بعد الإقلاع، تسافر الرواية بقارئها في رحلة مميزة وغير مسبوقة من الدار البيضاء إلى نيويورك، على متن طائرة حالف ركابها الحظ واختيروا للمشاركة في "هذا السفر المذهل والسريع نحو المستقبل".

من الصفحات الأولى للرواية، ترتسم معالم خطر وشيك لسقوط هذه الطائرة فوق الصوتية.. "انطفأت كل الأنظمة، كل الأضواء، كل الإنذارات، وكأن الزمن الهائم نفسه صار يسبح في الفضاء كطائر نسي كيف يطير..."

"لم أكن أتمنى اللجوء إلى هذا الحل، لكن لم يبق لي خيار آخر"، يقول الربان... إنه حل فصل المقصورتين..

ومع توالي فصول الرواية، في سردها المشوق والمثير لهذه الرحلة، يتبين أن السقوط خطط له أن يكون تمييزيا وانتقائيا، إذ لن يطال ركاب من صنعت لهم المقصورة الخاصة، بل "من صنعوا فقط ليملئوا بقية الطائرة".

ومما زاد السرد كثافة وتوسعا في البوح والإفصاح، دون مواربة، عن مواقف إنسانية وأخلاقية وسياسية.. كونه لم يكتف بطرق الموضوع الأساس للكتابة (طبيعة الرحلة وسلوك ركابها، وميزات الطائرة بتصميمها المتقن وتفاصيلها المثيرة، ومآل السقوط المحتوم...)، بل سافر، بحذاقة ونباهة، بالقارئ بين السماء والأرض، نزولا وصعودا، في حركات انتقال سلس لم يخل بالبناء المحكم للرواية..

فبعد الإعلان عن قرب الإقلاع، ودعوة المسافرين للتوجه إلى بوابة الإركاب، توجه الرواية نظر القارئ وتشد ذهنه، بوصف ممتع ورشيق، إلى ملعب ابن سليمان العملاق، حيث يبدع محمد الشرفي، وبأدق التفاصيل، في تغطية مباراة للفريق الوطني لكرة القدم.

إلا أن المعلق الرياضي المشهود له بالحنكة والمهارة، ظل تركيزه مشوشا وقلبه خافقا، كون ابنته نادية، التي انضمت إلى نادي المؤثرات، كانت على متن الطائرة التي أقلتها نحو المجهول، لنقل أول رحلة من نوعها تسابق الصوت. ذلك أن "التميز هو ما يصنع الفرق"...

ومن شخصيات الرواية، أيضا، رشيد الذي ظل واقفا عند الخط الفاصل بين درجتي الطائرة، معيقا بجسده الفارع حركة الباب الزجاجي. رافضا التقهقر إلى الخلف، مصرا على الامتداد كجسر يصل بين المقصورتين.

رشيد الذي واجه الرجل (غير المعرف بالاسم في الرواية)، والذي كان يرد ببرودة وغطرسة رجل يحمل بدلة العمل الرسمية.

الرجل الذي أجاب رشيد دون أن يطرف له جفن: 

("نعم. كان بوسعكم البقاء حيث أنتم... لا توقع، لا تصديق، لا دخول في اللعبة.

قال رشيد، بشيء من الحنين لما لم يعد ممكنا: 

ـ لكن العرض ... كان أكبر من أن يرفض.

ابتسم الرجل، تلك الابتسامة التي لا تبتسم بل تشمت بتشف من عيون تملؤها الحسرة:

على الطعم أن يفصل على مقاس الجوع وشهية الفريسة".

أشار الرجل إلى صفوف المقاعد التي استسلمت لهدوء مريب، وقال بنبرة متهكمة:

ـ انظر إليهم... نائمون كما أردنا لهم...

بعناد من يراهن على آخر عود ثقاب:

ـ سأوقظهم. صراخي ... سيوقظهم.

اقترب الرجل، حتى صارت المسافة بين كلماتهما أنفاسا متقاطعة:

ـ قل لي منذ متى كان الصراخ يوقظ الموتى؟").

سأل رشيد ابتسام، أستاذة التاريخ سابقا، التي جلست قربه على متن الطائرة، ما إذا كانوا قد خططوا لهذا القرار المرعب؟، فردت بالقول: "هكذا كانت المجتمعات القديمة تفعل، تقسم السفن والمراكب والمعابد. الطهر في المقدمة، والقرابين في المؤخرة"، ليخلص رشيد، بتنهيدة بائسة: "وها نحن... قرابين المستقبل".

وعلى لسان ابتسام، الشخصية المحورية في الرواية، أبرزت الكاتبة مواقف مبدئية حازمة حيال قضايا ووقائع وأحداث بعينها، ومن أبرزها حدث (طوفان الأقصى) في ليلة السابع من أكتوبر، "حين اخترقت المقاومة أسلاك الفصل بين غزة ومستوطنة عسقلان، ومضت كأنها قدر لا يرد، تخللت الأثير صور مشوشة تارة، وحادة كالشفرة تارة أخرى، تحمل في تفاصيلها انقلابا كاملا في المشهد...".

ابتسام، الزوجة والمناضلة سابقا، التي تقاعدت بشكل إجباري، لم تكن تتوقع أبدا، أن تتعرض لمساءلة قضائية بعد رفضها الانصياع لأمر مقدم الحي بإزالة العلم الفلسطيني المتدلي كتهمة شنيعة على شرفة شقتها الصغيرة المطلة على شارع المقاومة بالعاصمة.

شارع المقاومة الذي "بات، الآن، نظيفا وواسعا ومشجرا وحديثا، لكنه بلا روح. شارع المقاومة ... بلا مقاومين، بلا وجوه تشبهه، بلا ذاكرة تروي حجارته...".

بحس أخلاقي رفيع وبديع، وبوجع إنساني رهيف وشفيف، تدين رواية سلمى مختار أمانة الله واقع الحال المدبر بتحكم، كما هذه الرحلة الموجهة من وراء لوحة تحكم، ثبت بها زر أحمر صغير.. زر النجاة لأقلية، وزر الهلاك لأكثرية..

إنها رواية ـ صرخة مدوية تدين شتى مظاهر وأوجه السقوط العام.. سقوط المعنى، والجدوى، والقيم والمبادئ والأخلاق (...).. صرخة تدين العسف، والشطط والطغيان... 

صرخة عالية ضد مسخ وفساد المدينة، حيث تساق أغلب سيارات الأجرة "بألسنة تتقن نصب فخاخ البوح وصيد الأخبار الطازجة، وإن كانت لم تعد لها فائدة في زمن التلصص التكنولوجي حيث تنوب الهواتف الذكية عن فيالق الجواسيس بكل إمكاناتها وتنظيماتها، فهي تعرف عن صاحبها ما لا يعرفه هو نفسه عن نفسه".

وهي صرخة، أيضا، ضد الغواية، والضحالة، وشيوع وباء الصمت... في واقع صعب ومرعب أضحى المرء فيه مستكينا ومحشورا في الزاوية، وأصبح الخلاص من شركه الفتاك موقوفا على شرط التخلي...

"أجل.. 

قالها الصوت الذليل الذي خرج خافتا من رأسها المتطأطئ، في استسلام من عرفت منذ زمن بعيد أن ترسم حدودا دقيقة لاحتجاجاتها، فلم يعد في العمر متسع لغير الخنوع والإذعان...".