رأي

يوسف غريب: وداعاً لـ"المسابقات الإفريقية" فلسنا مجبرين على إضاءة شمعة للعُميان

نعترف بأننا شعرنا بنوع من الارتياح الشديد ونحن نستمع لتصريحات السيد فوزي لقجع وهو يلقي بحجر ثقيل في مياه الاتحاد الإفريقي الراكدة معلناً بلهجة لا تقبل التأويل أن المغرب قد أغلق أبوابه دون تنظيم أي بطولة إفريقي قوية أو ضعيفة في المستقبل.

إننا لا نرى في هذا القرار مجرد قطيعة رياضية عابرة بل نعتبره وقفة تأمل طويلة أمام مرآة الكرامة واستجابة ذكية جداً لزفرة غضب جماعية شعرنا بها 

فنحن هنا بطيبوبتنا المعهودة وكرمنا الفطري سئمنا النظر في تلك "الدبلوماسية العاطفية" التي تشبه قصة عاشق يمنح كل شيء ولا ينال في النهاية سوى الجفاء والنكران.

وما حدث في بطولة كأس إفريقيا الأخيرة بالرباط كان في تقديرنا هي القشة التي قصمت ظهر البعير

لقد قدم المغرب ملاعبه وفنادق أمواله وقبل ذلك كله قلبه لإنقاذ سمعة "الكاف" التي كثيراً ما تترنح فماذا كان المقابل؟ حملات تشويه رخيصة وتحكيم يثير السخرية وجحود غير أخلاقي جعلنا نتساءل في دهشة: 

لماذا نصر على إشعال أصابعنا كالشمع لتضيء لمن يتعمّد إغماض عينيه؟

إن موقف المغرب اليوم ليس عجزاً بأي حال من الأحوال ولا هو هروب من المسؤولية.. بل هو زهد الواثق الذي رفع سقف التنظيم في "كان" الرباط الأخير إلى مستويات خيالية لم تعهدها القارة السمراء من قبل. لقد شاهدنا وشاهد العالم معنا كيف تحولت تلك البطولة القارية في تفاصيلها ولوجستياتها.. وملاعبها إلى تظاهرة تحاكي كبريات البطولات العالمية.. كان كل شيء يبدو وكأنه نُقل سحراً من عواصم الضباب والأنوار إلى قلب الرباط.

وهنا يكمن جوهر الحكاية:

لقد حقق المغرب هدفه الأول الأسمى وهو أن يرى الجميع القريب والبعيد حجم قدراته وطاقته الجبارة كبلد إفريقي أوّلاً..

إضافة إلى أن التنظيم بهذا المستوى العالمي لم يكن مجرد استعراض عضلات بل كان بمثابة حقل تجارب حقيقي واختبار صلب وقفنا فيه على جاهزيتنا التامة والكاملة لمونديال 2030 وهو الهدف الأكبر والأنبل الذي نضع أعيننا عليه.

ولعلّ من طرائف هذا النجاح الباهر ومضحكاته أنه أصاب بعض الجهات بصدمة بصرية ومعرفية عجزت عقولهم عن استيعابها.. فلم يجدوا مفراً من الهروب إلى خيال سينمائي بائس مروجين لأسطوانة مضحكة مفادها أن المغرب قد قام "باكتراء الملاعب والحافلات من إسبانيا" لتنظيم البطولة! وكأن هذه المنشآت الضخمة والمليارات التي صُبت في الإسمنت والحديد هي مجرد "بدلات رسميّة" أو سيارات زفاف يمكن استئجارها باليومي من الضفة الأخرى للمتوسط وإعادتها بعد إطلاق صافرة النهاية!

إن عبقرية تصريح لقجع كما نراها تكمن في أنه يسحب البساط فجأة من تحت أقدام أولئك الذين صدعوا رؤوسنا لسنوات بأسطوانة "الهيمنة المغربية" و"الكولسة الكروية". نحن اليوم ننسحب بزهد الملوك ونقول بابتسامة هادئة:

الميدان أمامكم والبطولات بين أيديكم فأرونا ماذا أنتم فاعلون!. 

وفي نفس الوقت فإننا نلمس في هذا الموقف ترجمة حقيقية بلغة الأرقام والسياسة لما يدور في عقل المواطن المغربي البسيط والبراغماتي الذي أصبح يتساءل بإنصاف: 

لماذا ننفق ملايين الدولارات من عرق هذا الشعب على مسابقات لا تجلب لنا سوى وجع الدماغ وعوائدها المالية لا تغطي حتى ثمن الحبر الذي طُبعت به تذاكرها؟

إننا موقنون بأن المزاج المغربي اليوم لم يعد مستعداً لتقديم تضحيات مجانية من أجل "السراب الإفريقي" خاصة وأن عين المغرب باتت معلقة بالنجم القطبي في سماء العالمية فمن يطير بجناحيه نحو مونديال 2030 مع الكبار كإسبانيا والبرتغال لا يليق به أن يغرق في تفاصيل معارك صغيرة وصراعات ضيقة لا تسمن ولا تغني من جوع. 

لقد انتهى زمن الطيبة التي تقترب من السذاجة.. وبدأ زمن الندّية الصارمة فقد تعلمنا في هذه الحياة أنك إذا لم تحترم نفسك وتعرف قدرك فلن يتطوع أحد ليمنحك هذا الاحترام.