رأي

سعيد حاجي: هدف الصيباري والانفعال الجماعي

كان الهدف الأول الذي سجله الصيباري في مرمى البرازيل أشبه بقنبلة ألقيت وسط ثكنة من الجنود. في لحظة واحدة انفجر المقهى كله دفعة واحدة، كما تنفجر المدن حين ينهار فيها سد طويل الكتمان. ارتفعت الصرخات من كل الجهات، اصطدمت ببعضها، امتزجت بأصوات الكراسي وهي تنزلق فوق الأرضية، وبأكواب الشاي والقهوة التي اهتزت فوق الطاولات الصغيرة. أحدهم كسر كوبه دون أن ينتبه. آخر قفز حتى اصطدم رأسه بالمظلة التي تعلوه. رجل خمسيني كان يجلس بهدوء منذ بداية المباراة وجد نفسه واقفا فوق قدميه يلوح بيديه في الهواء مثل طفل أفلت أخيرا من قبضة معلم صارم.

المراهق الذي كان بجانبي بكى بشدة.

لم تكن دموع حزن، ولم تكن دموع فرح بالمعنى البسيط للكلمة. كانت تلك الدموع تنتمي إلى منطقة غامضة في النفس البشرية، منطقة تحدث عنها علماء النفس حين تكلموا عن الانفعال الجماعي، وتحدث عنها غوستاف لوبون حين وصف كيف تذوب الفردية داخل الحشود. في تلك اللحظة لم يعد ذلك الفتى مجرد شخص يحمل اسما وعائلة وعنوانا. صار جزءا من كائن أكبر منه بكثير. صار خلية داخل جسد ضخم اسمه الجمهور.

وقف وهو يصرخ.

راح يلتفت حوله بعينين دامعتين باحثا عن شخص يعانقه.

البشر، في لحظات الانفعال الكبرى، يعودون إلى غرائز قديمة جدا. قبل اللغة، قبل السياسة، قبل كل أشكال التعقيد الاجتماعي. يبحثون عن يد أخرى، عن كتف أخرى، عن جسد آخر يؤكد لهم أن ما يعيشونه حقيقي. يبحثون عن شاهد على المعجزة.

وجد أخيرا شابا آخر بجانبه كان يصرخ بدوره.

التقت الأعين بالأعين.

ثم تعانقا بقوة.

لم يتبادلا اسما.

لم يسأل أحدهما الآخر من أين جاء.

لم يعرفا شيئا عن بعضهما.

كانت هناك لغة أقدم من الأسئلة كلها.

لغة الفرح الخام.

لغة الانتصار حين يهبط فجأة فوق مجموعة من الغرباء فيحولهم إلى إخوة.

رددا الشعار نفسه.

ارتفعت الحناجر حولهما.

بدأ المقهى يهتز تحت وطأة الصراخ.

في كل مرة كانت الكرة تتحرك بين أقدام بوعدي والعيناوي ورفاقهما في الوسط، كانت رعشة خفيفة تسري في جسدي. تنمل غريب يصعد من أطراف الأصابع نحو الذراعين. إحساس يشبه التيار الكهربائي حين يمر عبر الأسلاك القديمة.

كرة القدم تمتلك قدرة عجيبة على تحويل الجسد إلى آلة حساسة للغاية.

كل تمريرة تصبح نبضة.

كل مراوغة تصبح رجفة.

كل تقدم نحو المرمى يتحول إلى تسارع في ضربات القلب.

وكان وسط المنتخب المغربي يعزف موسيقى كاملة.

بوعدي يلمس الكرة.

العيناوي يستلمها.

أوناحي يطلبها.

ثم تعود من جديد.

وكأن هناك نوتة موسيقية خفية لا يراها أحد.

في المقهى كانت الحناجر تكمل ما تعزفه الأقدام فوق العشب.

كانت سمفونية ضخمة تتكون في الهواء.

صوت المعلق.

صوت التلفاز.

صوت الملاعق.

صوت الأنفاس.

صوت القلوب.

صوت الصراخ.

كلها امتزجت داخل لحن واحد.

بدأت أحس أن المسافة بين الملعب والمقهى تتلاشى شيئا فشيئا.

أن الشاشة فقدت حدودها.

أن اللاعبين صاروا قريبين بما يكفي لكي نسمع خطواتهم.

أن الجماهير التي في المدرجات امتدت حتى وصلت إلينا.

كان المشجعون يهتفون باستمرار.

سير...

سير...

سير...

تخرج الكلمة من جهة.

فترد عليها جهة أخرى.

ثم تنتشر مثل موجة بحرية تعبر المكان كله.

شيء عجيب يحدث داخل الحشود حين تتوحد حول إيقاع واحد.

الفيلسوف إميل دوركايم أطلق على هذه الحالة اسم النشوة الجماعية.

حالة يصبح فيها الأفراد أكثر من مجموع أجزائهم.

شيء جديد يولد بينهم.

طاقة جماعية.

روح جماعية.

شعور جماعي.

ولهذا السبب كان الجميع منغمسا داخل المباراة إلى هذه الدرجة.

لم يعد أحد جالسا أمام شاشة.

المقهى كله صار جزءا من الملعب.

صرنا جميعا داخل المباراة.

صرنا نركض مع اللاعبين.

نتعب معهم.

نفرح معهم.

نتوتر معهم.

ننتظر معهم.

كان بوعدي يواصل مداعبة الكرة بحنان فنان يعرف قيمة ما يصنعه.

الرجل الذي بجانبي كان يتحدث عنه باستمرار.

يا له من موهبة.

يا له من لاعب.

نابغة.

ثم أخذ يحدثني عن مستواه الدراسي.

قال إنه تلميذ متفوق.

قال إنه حصل على معدل مرتفع.

كان يتحدث بحماس كبير.

يحكي التفاصيل كلها.

يحكيها كما يحكي أب فخور إنجازات ابنه.

كنت أسمعه من بعيد.

الصوت يصلني متقطعا وسط الضجيج.

اهتمامي كان موزعا فوق أشياء أخرى.

كنت أراقب أقدام أوناحي النحيفة وهي تنتزع الكرة من رافينيا.

أراقب الطريقة التي يتحرك بها.

الخفة التي ينساب بها بين الخصوم.

تلك القدرة الغريبة على جعل المهمة الصعبة تبدو سهلة.

ثم كانت عيناي تنتقلان نحو المزراوي.

نحو صلعته اللامعة تحت الأضواء.

نحو تحركاته المستمرة.

كان يمد الخيوط بين الدفاع والهجوم كما يمد ناسج ماهر خيوط سجادة معقدة.

كل لاعب كان يؤدي دوره.

كل حركة كانت تجد مكانها.

كل دقيقة كانت تمضي بسرعة مؤلمة.

وحين اقتربت المباراة من نهايتها بدأ القلق يتسلل إلى المكان.

الناس ينظرون إلى الساعة.

ثم إلى الشاشة.

ثم إلى الساعة مرة أخرى.

الوقت يتحول فجأة إلى خصم إضافي.

الدقائق تصبح ثقيلة.

كل ثانية تكتسب وزنا جديدا.

وحين أعلن الحكم عن عشر دقائق إضافية حدث شيء لم أعهده من قبل.

ابتسمت.

وتمنيت لو أنه أضاف أكثر.

خمسة عشر دقيقة.

عشرين دقيقة.

نصف ساعة كاملة.

أي شيء.

فكرة النهاية بدت مزعجة.

كأن أحدا يريد أن يوقظنا من حلم جميل.

في الحياة اليومية تمر الساعات بطيئة أحيانا حتى نظن أنها لن تنتهي.

في اللحظات السعيدة يحدث العكس تماما.

الوقت يركض.

يفلت من الأصابع.

يذوب بسرعة.

وكانت المباراة واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يتمنى فيها الإنسان أن تتوقف عقارب الساعة.

أن يبقى داخل اللحظة نفسها.

أن يمدها قليلا.

أن يعيشها مرة أخرى قبل أن تغادر.

حولي كان الجميع يعيش الإحساس ذاته.

لم أحتج إلى سؤال أحد.

كان ذلك واضحا في الوجوه.

في العيون المعلقة بالشاشة.

في الأجساد المنحنية إلى الأمام.

في الأنفاس المحبوسة.

في الصمت القصير الذي يفصل بين الهجمة والأخرى.

كنا جميعا نعيش حلما لذيذا.

حلما صنعته مجموعة من الشبان يركضون خلف كرة.

حلما أعاد إلينا شيئا نفتقده كثيرا في الأيام العادية.

الإيمان.

الإيمان بأن المفاجآت الجميلة ما زالت ممكنة.

الإيمان بأن الفرح قادر على زيارة البشر فجأة دون موعد مسبق.

الإيمان بأن أمة كاملة تستطيع أن تنسى همومها لساعتين وتلتقي حول شيء واحد.

ومع اقتراب النهاية أكثر فأكثر، بدا الحلم مستقرا بما يكفي لكي نقنع أنفسنا أنه سيستمر.

أن الليل لن ينتهي.

أن المباراة ستبقى معلقة بين دقيقة وأخرى.

أن الشاشة ستظل مضاءة.

أن الكرة ستظل تدور بين أقدام بوعدي والعيناوي وحكيمي.

أن الصراخ سيبقى معلقا في سقف المقهى.

أن الأذرع ستظل متشابكة فوق الأكتاف.

أن الغرباء سيظلون أصدقاء.

أن الفرح سيبقى مقيما بيننا لبعض الوقت.

وكان كل واحد منا يعرف في أعماقه أن صافرة النهاية تقترب، ومع ذلك تمسكنا باللحظة كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة، لأن الإنسان حين يعثر على لحظة نادرة من السعادة الجماعية يحاول دائما تأجيل وداعها، يحاول أن يساوم الزمن، يحاول أن يقنعه بالتريث قليلا، دقيقة واحدة إضافية، لمسة أخرى للكرة، هجمة أخرى، هتاف آخر، نظرة أخيرة إلى الشاشة، ثم يكتشف أن الزمن لا يصغي لأحد، وأن أجمل اللحظات تكتسب جمالها من كونها عابرة، تترك خلفها ضجيجها في الذاكرة، وتغادر، بينما يبقى الإنسان بعدها طويلا يستعيدها، ويبتسم كلما تذكر تلك الليلة التي تحولت فيها زاوية صغيرة من مقهى مزدحم إلى وطن كامل ينبض بقلب واحد.