عندما طرح الفيلسوف الأمريكي من أصول مغربية بول بن صراف Paul Benacerraf سؤاله الشهير: "كيف نعرف الأعداد إذا كانت أشياء لا نراها ولا نلمسها؟"، كان يلفت الانتباه إلى أن الرياضيات ليست مجرد عمليات حسابية، بل هي أيضاً طريقة لفهم العالم. فنحن نرى الأشياء المعدودة، لكننا لا نرى العدد نفسه، ومع ذلك نبني عليه جزءاً كبيراً من معرفتنا بالواقع. وقد عُدَّ بن صراف أحد أبرز فلاسفة الرياضيات في القرن العشرين، واشتهر بما عُرف لاحقاً بـ "معضلة بن صراف" Le dilemme de Benacerraf التي أعادت طرح السؤال حول طبيعة الكيانات الرياضية وكيفية معرفتها، وأسهمت في إحداث تحول مهم في العلاقة بين الرياضيات والفلسفة المعاصرة. كما ظل واحداً من أبرز الوجوه الأكاديمية في جامعة برينستون إلى غاية وفاته.
وإذا انتقلنا من الفلسفة إلى كرة القدم، أمكننا أن نستعير الفكرة نفسها. فنحن نشاهد اللاعبين يتحركون فوق أرضية الملعب، لكننا لا نشاهد "الفريق" بوصفه كياناً مستقلاً. ما نراه في الحقيقة أفراداً متفرقين، بينما الفريق فكرة تجمعهم في وحدة واحدة. وبالمثل، فإن الرياضيات ليست أرقاماً مكتوبة على الورق، بل أداة تكشف العلاقات الخفية التي تحكم الواقع وتمنحه معناه.
ومن أهم الأدوات التي طورتها الرياضيات "نظرية الاحتمالات" la théorie des probabilités؛ فهذه النظرية لا تخبرنا بما سيقع يقيناً، بل بما يرجح وقوعه. ولهذا أصبحت أداة لا غنى عنها في مجالات متعددة، مثل الاقتصاد والطب وغيرهما، لأنها تساعد على تقدير النتائج الممكنة وترجيح أفضل القرارات في عالم لا تحكمه اليقينيات المطلقة. وعندما تصل الإحصائيات القائمة على "نظرية الاحتمالات" إلى نسبة نجاح تبلغ تسعين في المائة، فإننا نكون أمام مستوى استثنائي من الدقة والانتظام، يصعب تحقيقه والمحافظة عليه، خصوصاً في مجال سريع الإيقاع ومتقلب مثل كرة القدم.
وقد قدمت مباراة المغرب والبرازيل الأخيرة مثالاً لافتاً على ذلك من خلال أداء اللاعب المغربي الشاب أيوب بوعدي، الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، والمعروف أيضاً بتفوقه الدراسي ونبوغه المبكر في الرياضيات. فقد بلغت نسبة تمريراته الناجحة في المباراة نحو تسعين في المائة، وهو رقم يعكس أكثر من مجرد مهارة تقنية. وما يلفت الانتباه في أدائه لا يقتصر على جودة التمرير، بل يمتد إلى الطريقة التي يقرأ بها الملعب. فقبل أن تصله الكرة يكون قد استكشف الفضاء المحيط به بعينيه مرات متعددة، يميناً ويساراً وأماماً وخلفاً، وكأنه يجمع المعطيات ويعالجها في لحظات خاطفة. وعندما تصل الكرة إليه يكون القرار قد اتُّخذ سلفاً، فتبدو التمريرة نتيجة تفكير سابق أكثر منها رد فعل آني.
وقد تجلّى ذلك طوال المباراة، وبلغ ذروته في ثوانيها الأخيرة، حين راوغ أمام منطقة جزاء المنتخب المغربي مهاجماً برازيلياً في لقطة بدت لكثير من المشاهدين أقرب إلى المستحيل، حتى إنها حبست الأنفاس. غير أن ما بدا مغامرةً محسوبة على حافة المجازفة لم يكن في الواقع سوى ثمرة قراءة خاطفة للمسافات والزوايا وحركة الخصوم والمساحات المتاحة. فاللاعب هنا لا يحلّ معادلات فوق العشب، لكنه يوظف عقلاً تدرّب على التفكير المنطقي ورصد العلاقات بين العناصر المتحركة داخل الملعب. ومع تكرار هذا النوع من العمليات الذهنية، يتحول التفكير الواعي تدريجياً إلى حدس عملي، فيغدو القرار الصحيح أشبه بردّ فعل تلقائي تختزن خبرته طبقات اللاشعور.
لهذا لا ينبغي النظر إلى الرياضيات باعتبارها علماً محصوراً في الأرقام والمعادلات. فهي قبل كل شيء أسلوب في التفكير، وطريقة في قراءة العالم وفهم العلاقات الكامنة وراء ظواهره. ولهذا تبدو أوسع بكثير من أن تُختزل في المختبرات أو قاعات الدرس؛ فهي حاضرة في الفلسفة كما هي حاضرة في الرياضة، وفي المجتمع كما هي حاضرة في العلوم الدقيقة. وقد أدرك أفلاطون منذ قرون أن الرياضيات ليست مجرد معرفة تقنية، بل تدريب للعقل على النظام والدقة والبحث عن المعنى. وما يقدمه أيوب بوعدي اليوم داخل الملعب يذكرنا بأن العقل الرياضي يمكن أن يظهر في قاعة الدرس كما يمكن أن يظهر في مباراة لكرة القدم. وعندما يحدث ذلك، تلتقي المعرفة بالممارسة، ويصبح ما نتعلمه في كتب العلم امتداداً لما نراه على أرض الملعب.






