دق أستاذ باحث مهتم بقضايا الطفولة والشباب ناقوس الخطر الذى يتهدد مخيمات الأطلس المتوسط نتيجة اختفاء عدد من مراكزها من الخريطة التربوية الوطنية، في وقت أغلقت فيه مرافق ذات قيمة رمزية وتاريخية كبيرة من بينها المسبح التاريخي بعين خرزوزة، مع تراجع أنشطة التخييم الجبلي والشتوي التي كانت تميز المنطقة، داعيا في إلى إطلاق ميثاق وطني لإنقاذ هذه المخيمات .
الرؤية الاستراتيجية
وقال الأستاذ سفيان الداودي الذي كان يتحدث في الندوة الفكرية التي نظمتها حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي يومي 12و13 يونيو 2026 بمدينة أزرو، بعنوان " نوستالجيا مخيمات الأطلس المتوسط
بين الواقع وتحديات المستقبل"، أن ما تعيشه مخيمات الأطلس المتوسط اليوم ليس مجرد أزمة
تدبير أو نقص في الصيانة،بل يعكس غياب رؤيةاستراتيجية وطنية تعتبر التخييم مشروعاً تربوياً وتنموياً متكاملاً، قادر على المساهمة في تنمية الطفولة والشباب وحماية البيئة وإحياء المناطق الجبلية.
ويرى المتدخل بأن الحديث عن مخيمات الأطلس المتوسط لا يتعلق بمجرد بنايات أو مراكز اصطياف، بل بذاكرة جماعية وطنية، ساهمت لعقود في تكوين أجيال من الأطفال والأطر التربوية المغربية وفي ترسيخ قيم المواطنة والعمل الجماعي والتطوع والتربية الشعبية متوقفا عند بعض مراكز التخييم مثل عين خرزوزة و تيومليلين وبنصميم وراس الما وعين كحلة التي لم تعد مجرد مواقع جغرافية،
بل تحولت إلى رموز وطنية للتربية في الهواء الطلق، احتضنت على مدى عقود آلاف الأطفال والشباب.
وتحت عنوان "مخيمات الأطلس المتوسط بين الأمس واليوم ورهانات المستقبل..." ، ذكر الداودي في مداخلته،بأن منطقة الأطلس المتوسط شكلت منذ فترة الحمايةالفرنسية مهد التخييم المغربي، مستفيدة من مؤهلاتها الطبيعيةالاستثنائية من غابات الأرز والبحيرات والينابيع والهواء النقي والتي كانت تستقبل آلاف الأطفال سنوياً، وشهدت تجارب رائدة جمعت أطفالاً من ديانات وثقافات متعددة في فضاءات للتعايش والتعلم المشترك.
محطات مضيئة
كما استحضر المتدخل ما وصفها ب"محطات مضيئة من تاريخ المنطقة، من بينها تجربة "البُناة"
سنة 1949، وتجربة إعادة إحياء مخيم عين خرزوزة سنة 1988 التي قادتها حركة الطفولة الشعبية،
باعتبارها نموذجاً للتربية الشعبية والعمل التطوعي في خدمة الطفولة والشباب، وهي التجربة التي استمرت
لعقود وأسهمت في جعل المخيم فضاءً للتكوين والإبداع والمواطنة".
ويعتبر الداودي من جهة أخرى على أن "الوفاء الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى استنزاف للطاقات في تمجيد الأشخاص أو اجترار سير الرواد الذين اشتغلوا في سياقات تاريخية مختلفة،
لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، بل ينبغي أن يكون وفاءً للأفكار والمشاريع والقيم التي صنعت قوة التجربة التربوية المغربية".
كما عبر عن اعتقاده، بأن التحدي المطروح اليوم يتمثل في " تقوية الجبهة الداخلية للمنظمات التربوية ، وتجاوز منطق الانقسامات والصراعات التنظيمية، والتصالح مع الطاقات والكفاءات والمناضلين
الذين يوجدون خارج التنظيمات، والاستفادة من خبراتهم ورأسمالهم التربوي والفكري في خدمة
مشروع جماعي متجدد".
صناعة المستقبل
وأضاف الأستاذ الداودي بأن الأولوية لم تعد هي إدارة الذاكرة، بل صناعة المستقبل من خلال بلورة رؤية استراتيجية للأطلس المتوسط في أفق 2027 – 2040 ، تقوم على مخطط تربوي وتنموي واضح المعالم،
يجعل من المنطقة قطباً وطنياً ودولياً للتربية والبيئة والسياحة الإيكولوجية والرياضة الجبلية.
وبعدما دعا إلى " الانتقال من منطق الحنين إلى الماضي إلى منطق بناء المستقبل"، وذلك عبر استثمار
المؤهلات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها المنطقة، اقترح المتدخل إحداث مراكز إيكولوجية للتخييم والتربية البيئية بالقرب من بحيرات أكلمام أزكزا وأكلمام ويوان، وإطلاق مخيمات ربيعية وشتوية متخصصة، وتطوير برامج للتربية البيئية والتربية الرقمية تستجيب لتحولات العصر.
فضاء وطني للرياضات
كما دعا إلى تحويل الأطلس المتوسط إلى " فضاء وطني للرياضات الجبلية والطبيعية"، من خلال احداث
مسارات صحية ورياضية ممتدة داخل الغابات والمجالات ممتدة داخل الغابات والمجالات الطبيعية، وإنجاز مسالك للدراجات الجبلية والمشي البيئي، وإحياء الرياضات الهوائية كالقفز بالمظلات والطيران الشراعي إلى جانب تطوير الرياضات المائية والشراعية ورياضات "الكاياك" والقوارب والتجديف بالبحيرات الجبلية.
كما طرح المتدخل إمكانية التفكير مستقبلاً في مشاريع مهيكلة، كإحداث خطوط للتليفريك
بين بعض المواقع الجبلية والسياحية الكبرى، بما يساهم في تثمين المؤهلات الطبيعية للمنطقة وجعلها وجهة وطنية ودولية للسياحة التربوية والبيئية والرياضية، مع احترام التوازنات الإيكولوجية والمحافظة
على الثروة الطبيعية للأطلس المتوسط.
إطلاق ميثاق وطني لإنقاذ مخيمات الأطلس المتوسط، يقوم على تصنيف المراكز التاريخية ضمن التراث التربوي الوطني، وتأهيل بنياتها التحتية، وإعادة فتح مرافقها التاريخية، جانب من اقتراحات الأستاذ الداودي الذي شدداعلى ضرورة إشراك الجمعيات التربوية الجادة في تدبيرها وتنشيطها، مع إحداث أرشيف رقمي وطني يوثق ذاكرة التخييم المغربي ويتضمن شهادات الرواد والفاعلين في هذا المجال.
إنتاج المعنى
وبعدماتساءل الداودي: كيف يمكن لمخيمات الأطلس المتوسط أن تستعيد دورها التربوي في زمن الرقمنة
والذكاء الاصطناعي؟وكيف يمكن للتربية الشعبية أن تجدد أدواتها في مواجهة الثقافةالاستهلاكية وهيمنة النموذج النيوليبرالي الذي يحول الإنسان إلىمجرد مستهلك؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للمخيم باعتباره فضاءللتحرر والتعلم الجماعي وبناء المواطنة والتفكير النقدي؟ خلص إلى القول بأن مستقبل مخيمات الأطلس المتوسط رهين بإحياء التربية الشعبية كفكر ومشروع مجتمعي تحرري، قادر على انتاج المعنى وبناء الوعي النقدي وتوسيع المشاركة الديمقراطية للأطفال والشباب .
وأكد المتدخل في نفس المنحى كذلك بأن "الدفاع عن هذه الفضاءات ليس دفاعاً عن الماضي فقط
، بل عن مستقبل الطفولة المغربية وعن حق الأجيال الجديدة في الطبيعة والتعلم والإبداع والحلم".








