مجتمع وحوداث

حسابات الودائع بين الحكامة والاستقلالية

كوثر جلال (محامية بهيئة الدارالبيضاء)

أبرز ما استوقفني في التعديلات التي صادق عليها مجلس المستشارين هو التنصيص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وتتبع العمليات المرتبطة بالإيداع والسحب والتحويل والأرصدة والفوائد والمصاريف، مع منع أي اقتطاع من أموال المحامين وموكليهم.

وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذه المقتضيات، فإن مجرد إدراجها ضمن نقاش تشريعي ومصادقة المؤسسة التشريعية عليها يؤكد أن موضوع حسابات الودائع ليس وهما ولا استهدافا للمهنة، بل إشكالا مؤسساتيا وحكاماتيا مطروحا للنقاش العمومي.

وتعقيبا على من يستشهد بالتجربة الفرنسية، فقد سبق لي أن ناقشت هذا الموضوع مع أعضاء من مجلس هيئة باريس، وكان جوابهم واضحا: حسابات الودائع (CARPA) لا تخضع فقط لرقابة الهيئات المهنية، بل لمنظومة متكاملة من المراقبة والتدقيق تشمل مراقب حسابات مستقلا، ولجنة وطنية للمراقبة، ورقابات قانونية متعددة. كما أن تدبير هذه الحسابات لا يتم من طرف النقيب أو مجلس الهيئة وحدهما، وإنما عبر أجهزة مؤسساتية متخصصة وآليات رقابية مستقلة، بما يحقق التوازن بين استقلال المهنة ومتطلبات الشفافية والمساءلة.

لذلك، فإن المثال الفرنسي لا يؤسس لفكرة الرقابة الذاتية المطلقة، بل يقدم نموذجا يجمع بين الاستقلالية والشفافية والحكامة الجيدة.

أما في واقعنا المهني، فإن تدبير حسابات الودائع ما يزال يتم في إطار أقرب إلى التدبير التقليدي من طرف الهيئات، دون وجود إطار مؤسساتي مستقل مماثل أو منظومة رقابية متخصصة بالمستوى نفسه، وهو ما يفسر استمرار التساؤلات والنقاشات حول الحكامة والشفافية.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة إذا استحضرنا أن الفوائد الناتجة عن حسابات الودائع، والمؤداة من طرف صندوق الإيداع والتدبير باعتباره مؤسسة عمومية، كان يفترض أن تشكل موردا أساسيا للمساهمة في تمويل الحماية الاجتماعية للمحامين، ولا سيما معاشات الشيخوخة والعجز والوفاة. كما أن الأساس التعاقدي الذي ربط هيئات المحامين بصندوق الإيداع والتدبير فيما يتعلق بعائدات هذه الحسابات كان، في الأصل، مرتبطا بدعم نظام التقاعد والحماية الاجتماعية للمهنة.

ومن هنا، فإن التساؤل عن حجم هذه الفوائد، وكيفية تدبيرها، ومآلها، وأوجه صرفها، لا يرتبط فقط بالحكامة المالية، بل يمتد إلى الملفات الاجتماعية التي تهم آلاف المحامين وأسرهم. وهو تساؤل مشروع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكا في الأشخاص أو مسا باستقلالية المهنة، بل باعتباره ممارسة طبيعية لحق المحامين في المعلومة وحرصا على تعزيز الثقة في المؤسسات المهنية.

فالنقاش الحقيقي ليس: من يراقب من؟ بل: كيف نضمن للمحامين وللمتقاضين أعلى درجات الشفافية والثقة في تدبير الأموال المودعة؟ وكيف نضمن أن الموارد المتأتية منها تحقق الأهداف الاجتماعية والمهنية التي أُحدثت من أجلها؟

كما أن النقاش لا يتعلق باستيراد نموذج بعينه أو نسخه حرفيا، وإنما بالاستفادة من أفضل الممارسات وتطوير آليات الحكامة والشفافية والمساءلة داخل مؤسساتنا المهنية، قبل أن تفرض الوقائع والإكراهات حلولا من خارج المهنة.

وما يقع اليوم من سحب اختصاص تحرير العقود يقدم مثالا واضحا على أن تأخر الإصلاح وغياب النقاش الجاد حول بعض الإشكالات المهنية قد يفتح الباب أمام تدخلات تشريعية تعيد رسم حدود الاختصاصات والصلاحيات.

فإذا كانت هذه الموارد قد خُصصت أصلا للمساهمة في بناء حماية اجتماعية للمحامين، فإن السؤال الذي يظل مطروحا بكل مشروعية هو:

أين نحن اليوم من هذا الهدف؟ وأين هو نظام التقاعد الذي كان يفترض أن يكون أحد أبرز ثمار هذه الموارد؟