منذ أيام، ونحن نسمع أن حزب الأصالة والمعاصرة يبحث عن رئيس للحكومة المقبلة، وأن اسم فوزي القجع يتردد بقوة لهذا المنصب. ولست هنا بصدد الحديث عن الرجل، فهو بلا شك راكم تجربة مهمة في مجال التدبير الرياضي، وإنما السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح النجاح في كرة القدم مؤهلاً كافياً لقيادة حكومة بكل تعقيداتها السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية؟ وهل رئاسة الحكومة أصبحت منصباً يُستورد من خارج الأحزاب، أم أنها تتويج لمسار سياسي ونضالي وكفاءة حزبية تُصنع داخل المؤسسات الحزبية؟ ثم، إذا سلّمنا جدلاً بأن فوزي القجع هو رجل المرحلة، فهل سيحقق مع الحكومة ما حققه مع كرة القدم؟ وهل مشاكل البطالة والتعليم والصحة والسكن والاستثمار تُدار بمنطق المباريات والتظاهرات الرياضية؟ أم أن السياسة علم آخر، له شروطه ورجاله وأدواته؟ لكن السؤال الأكثر إيلاماً ليس في شخص القجع، وإنما في حال بعض هذه الأحزاب نفسها. ماذا بقي من وظيفة الحزب السياسي إذا كان عاجزاً عن إنتاج قيادة من داخله؟ وما جدوى آلاف المنخرطين والمؤتمرات والشعارات واللجان إذا انتهى الأمر بالبحث عن "المنقذ" خارج أسواره؟ إن أكبر مأساة في هذه الحكاية ليست البحث عن رئيس للحكومة، بل البحث عن حزب قادر على أن يُنجب رئيساً للحكومة. فإذا كانت أحزاب بحجم الأصالة والمعاصرة لا تجد بين قياداتها وكفاءاتها من يمكن أن يتحمل مسؤولية هذا المنصب، فذلك إعلان غير مباشر عن أزمة عميقة في إنتاج النخب السياسية. لقد أصبحنا أمام أحزاب تشبه وكالات للتوظيف السياسي الموسمي؛ تنتظر ظهور "نجم" في مجال ما لتعرض عليه قيادة الحزب أو الحكومة، وكأن السياسة مهنة من لا مهنة له، وليست مشروعاً مجتمعياً وتراكماً فكرياً ونضالياً. أما الحديث عن أزمة الثقة داخل بعض الأحزاب، فهو حديث لا يمكن فصله عن الصورة التي تشكلت لدى جزء كبير من الرأي العام بفعل ما عرفته الساحة السياسية خلال السنوات الأخيرة من متابعات وقضايا طالت عدداً من المنتخبين والمسؤولين من أحزاب مختلفة، وهو ما جعل المواطن يتساءل، بحق، عن مدى قدرة هذه الأحزاب على فرز نخب سياسية تحظى بالمصداقية والكفاءة معاً. إن الأزمة اليوم ليست أزمة أسماء، وإنما أزمة سياسة. فحين تعجز مثل هذه الأحزاب عن صناعة رجال الدولة، فإنها تتحول تدريجياً إلى مجرد لافتات انتخابية تبحث كل خمس سنوات عن "مرشح خارق" ينقذها من إفلاسها السياسي. ويبدو أننا انتقلنا من سؤال: من سيقود الحكومة؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من سيقود الحزب نفسه؟ ..
ملاحظة لها علاقة بما سبق.
" عادة الأمم التي تُراهن على المؤسسات تتقدم، والأحزاب التي تُراهن على الأشخاص تتراجع، أما التي تعجز عن صناعة الأشخاص والمؤسسات معاً، فلا يبقى لها إلا الرهان على الصدفة."






