مجتمع وحوداث

لماذا فقدنا التحليل المنطقي؟

إدريس الفينة (محلل اقتصادي)

يولد الإنسان وهو يمتلك فضولاً فطرياً يدفعه إلى طرح الأسئلة والبحث عن الأسباب، لكن مع مرور السنوات يفقد تدريجياً هذه القدرة. فمنذ الطفولة، ثم خلال الدراسة، وأخيراً في الحياة المهنية، يكتشف أن المنطق الذي تعلمه لا يفسر دائماً الواقع الذي يعيشه. فقد تعلم أن الاجتهاد يقود إلى النجاح، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن المؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، لكنه يصطدم بممارسات تبدو أحياناً مخالفة لهذه المبادئ.


في البداية يحاول تفسير هذه التناقضات بعقلانية، لكن مع تكرارها يتوقف عن البحث عن المنطق الحقيقي، ويبدأ في التكيف معها. وهكذا ينشأ ما يمكن تسميته “منطق التكيف”، حيث تصبح عبارات مثل: “هذه هي البلاد” أو “الأمور تسير هكذا” بديلاً عن التفكير النقدي. ومع الزمن، تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويصبح غير المنطقي أمراً عادياً.


من منظور سوسيولوجي، لا يفقد الإنسان قدرته على التفكير، بل يعيد تشكيلها بما يتلاءم مع البيئة التي يعيش فيها. وعندما يشعر بأن العلاقة بين الجهد والنتيجة، أو بين القانون والتطبيق، ليست مستقرة، فإنه يعتمد على قراءة القواعد غير المعلنة لفهم المجتمع والتنبؤ بما سيحدث، بدل الاعتماد على المنطق المؤسسي.


ولهذا نلاحظ أن كثيراً من المغاربة يحققون نجاحاً لافتاً بعد الهجرة، ليس لأنهم أصبحوا أكثر كفاءة، بل لأنهم وجدوا بيئة تقل فيها الفجوة بين القاعدة والتطبيق، فيستعيد العقل ثقته في التحليل المنطقي والتخطيط للمستقبل.


إن استعادة التفكير المنطقي لا تتحقق بالدعوة إلى استعمال العقل فقط، بل ببناء مدرسة تعلم السؤال لا التلقين، ومؤسسات تحترم القانون، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجعل الكفاءة معياراً حقيقياً للنجاح. فالمجتمعات لا تتقدم بذكاء أفرادها فقط، بل بقدرتها على جعل المنطق هو القاعدة، لا الاستثناء.