يؤكد التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025 أن المغرب تمكن من الحفاظ على استقرار مالي ونقدي مهم، حيث بلغ معدل النمو 4.9%، واستقر التضخم عند مستويات منخفضة، وتراجعت نسبة عجز الميزانية، كما تعززت احتياطيات النقد الأجنبي. وهي نتائج إيجابية تعكس متانة المؤسسات الاقتصادية ونجاعة جزء من السياسات الماكرو اقتصادية.
لكن، إذا تجاوزنا الأرقام الإجمالية، سنجد أن الاقتصاد المغربي ما يزال يواجه مفارقة حقيقية: كلما تحسنت المؤشرات الكلية، بقي أثرها على التشغيل والدخل والعدالة الاقتصادية محدوداً.
إن النمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته من نسبته فقط، بل من نوعيته. فاقتصاد يحقق نمواً دون أن يخفض البطالة بشكل ملموس، أو يرفع إنتاجية المقاولات، أو يحسن القدرة الشرائية للأسر، يحتاج إلى مراجعة في أولوياته التنموية.
لقد استثمرت الدولة خلال السنوات الأخيرة مبالغ ضخمة في البنيات التحتية، والدعم العمومي، وتشجيع الاستثمار. ومع ذلك، لا تزال المقاولات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، تواجه صعوبات في التمويل، والولوج إلى الأسواق، والاندماج في سلاسل القيمة. كما أن عدداً مهماً من الاستثمارات لا يحقق الأثر المنتظر على مستوى التشغيل.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من منطق تعبئة الموارد إلى منطق قياس الأثر. فلا يكفي الإعلان عن استثمارات بمليارات الدراهم، بل ينبغي تقييمها وفق مؤشرات واضحة: كم منصب شغل دائم أحدثت؟ كم رفعت من القيمة المضافة الوطنية؟ ما أثرها على الصادرات؟ وهل ساهمت في تقليص التفاوتات المجالية والاجتماعية؟
كما أن إصلاح منظومة التكوين أصبح ضرورة اقتصادية قبل أن يكون إصلاحاً تعليمياً. فلا يمكن الحديث عن صناعة تنافسية أو اقتصاد المعرفة في ظل استمرار الفجوة بين مخرجات التكوين وحاجيات سوق الشغل.
ومن جهة أخرى، فإن تحسين مناخ الأعمال يقتضي توجيه أكبر للتمويل نحو الاستثمار المنتج والابتكار والتصنيع، بدل التركيز على الأنشطة ذات القيمة المضافة المحدودة. فالقطاع البنكي مطالب بلعب دور أكبر في تمويل الاقتصاد الحقيقي، إلى جانب مواصلة الدولة إصلاح الإدارة، وتبسيط المساطر، وتسريع تنفيذ الإصلاحات.
إن تقرير بنك المغرب لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه عرضاً للمؤشرات الاقتصادية، بل باعتباره دعوة صريحة إلى إصلاحات هيكلية أعمق، تجعل من الاستثمار أداة لخلق الثروة، ومن النمو رافعة للتشغيل، ومن الاستقرار المالي وسيلة لتحقيق تنمية أكثر شمولاً وعدالة.






