حين وقفت أمام رئيس الحكومة السابق فتاة صغيرة تستقبله ببراءة، تحمل الحليب والتمر، كان يجب عليه أن يقول لها: ادرسي يا ابنتي، اجتهدي، تعلّمي، سافري، احصلي على شهادتك، وابني لنفسك مكانًا في هذا العالم.
كان يجب أن يسألها عن مدرستها، عن أحلامها، عن المهنة التي تريدها، وعن المستقبل الذي تتخيله لنفسها.
لكنه لم ير أمامه تلميذة، ولا عقلًا صغيرًا ينتظر أن يُفتح له باب الحياة؛ رأى لحمة طرية و زوجة لذيذة، فسارع ينصحها: لا تتأخري في الزواج، وإذا جاءك رجل «فيه ما يدار» فتوكلي على الله!
هو ما كرهش هو الأول يكون فيه ما يدار باش تتزوج بيه تلك الطفلة!
وهنا تكمن الفضيحة الأخلاقية، لا في الزواج نفسه، بل في أن يكون أول ما يخطر ببال رئيس حكومة سابق أمام طفلة هو الذكر الذي سيتزوجها، لا المدرسة التي ستعلّمها، ولا الشهادة التي ستحميها، ولا الاستقلال الذي سيصون كرامتها.
و شكون اللي طلع هتذ الحيوان لمنصب رئاسة الحكومة؟؟
أنتم! أيها المغاربة المتأسلمون!
هذه الوصفة التي يقدمها رئيس الحكومة لبنات المناطق الفقيرة: لا تتعطلن في الزواج. أما أبناء وبنات أصحاب القرار، فتُفتح أمامهم أبواب المدارس العليا، والجامعات، والسفر، واللغات، والشهادات، ثم يتركون لبنات الشعب نصائح الطاعة والصبر وانتظار الرجل المناسب.
ولذلك نسأل هذا النصاب: لماذا لا يكون الزواج المبكر هو المشروع الأول لبناتك أنت؟ لماذا يكون لبناتكم الحق في التعليم الطويل في الخارج، واختيار المستقبل، وتأجيل الزواج، بينما تصبح ابنة الفقير مشروع زوجة بمجرد أن تحمل إليكم كأس حليب وطبق تمر؟
إنها ليست نصيحة عابرة، بل عقلية كاملة مفخخة: تعليم جيد لأبنائنا، وزواج مبكر لبناتكم؛ المستقبل لنا، والانتظار لهن.
والأخطر أن هذا الرجل المتآكل أخلاقيًا استطاع يومًا أن يصل إلى رئاسة الحكومة، وإن كانت رئاسة صورية لا يملك صاحبها من القرار إلا ما يُسمح له به. وما إن انتهى دوره، أو حاول تجاوز الحدود المرسومة له، حتى أُزيح من الطريق كما يُرمى المنديل الورقي بعد أن يمسح به صاحبه آخر القطرات...
خرج من الحكومة، لكن منطقه بقي حيًا: بنات النخبة إلى الجامعات، وبنات الفقراء إلى بيوت الأزواج.
و العيب كل العيب فهاذ الشعب الخبيث!






