سياسة واقتصاد

حين تختزل السياسة في صناعة شخص كمنقذ

كمال الهشومي (أستاذ جامعي)

إن الاندفاع المحموم نحو تقديم بعض الأسماء باعتبارها “المنقذ” الذي يمتلك وحده الكاريزما الاستثنائية والقدرة السحرية على استقطاب أجيال الشباب وسائر الناخبين، وكأن الأصوات ستتدفق إليه من كل حدب وصوب، ليس سوى مؤشر مقلق على أزمة السياسة أكثر مما هو تعبير عن قوة الأشخاص. فهو يكشف، في العمق، هشاشة الرؤية لدى من يدبر الشأن السياسي ويخطط له، وعجزا متزايدا عن إنتاج مشاريع سياسية ومؤسسات حزبية قادرة على الإقناع، فيتم التعويض عن ذلك بصناعة الأبطال وتسويق الأشخاص.

إن المغرب لم يكن يوما فقيرا في رجاله ونسائه. فقد عرف، عبر تاريخه، شخصيات وطنية كبيرة قاومت، وضحت، وأسهمت في بناء الدولة وترسيخ الخيار الديمقراطي ودفع مسار التنمية، وقدمت أثمانا باهظة من حريتها وأرزاقها وأسرها ومستقبلها، ونسجت لنفسها وضعية نضالية اعتبارية محترمة وآخرين لم يحضوا بهذا القدر من الاحتفاء المبالغ فيه أو بهذا الاستثمار الإعلامي غير المسبوق.

وللتوضيح، فالأمر ليس موجها ضد شخص بعينه، وإنما ضد ظاهرة سياسية وإعلامية أصبحت تثير أكثر من علامة استفهام. فمن غير المقبول أن يتحول الفضاء العمومي، لأكثر من شهر، إلى منصة مفتوحة لتسويق شخص واحد باعتباره البديل والمنقذ، وأن يجري، عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تنصيبه رمزا سياسيا استثنائيا، بل ورئيسا للحكومة قبل أوانه، في تجاوز رمزي لروح الدستور الذي أسند تعيين رئيس الحكومة إلى المؤسسة الملكية بناء على نتائج الانتخابات وفق مقتضياته الدستورية، وليس إلى حملات الترويج أو صناعة الرأي العام.

ثم إن الإنصاف يقتضي وضع الأمور في سياقها الصحيح. فلا أحد ينكر أن الرجل حقق إنجازات رياضية تاريخية، وهذا أمر يستحق التقدير والاعتزاز. لكن المبالغة في صناعة الأسطورة تتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن تلك النجاحات لم تكن ثمرة عبقرية فردية معزولة، بل جاءت في إطار رؤية استراتيجية للدولة، واهتمام مباشر من أعلى سلطة في البلاد، واستثمارات مالية ضخمة، وبنيات تحتية حديثة، وإرادة سياسية واضحة جعلت كرة القدم ورشا وطنيا متكاملا. فالنجاح هنا هو نجاح منظومة كاملة، وليس انتصار فرد مهما بلغت كفاءته.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الحياة السياسية هو أن تستبدل منطق البرامج والمؤسسات بمنطق الأشخاص، وأن يتحول النقاش العمومي من التنافس حول الأفكار والمشاريع المجتمعية والسياسات العمومية إلى صناعة الزعامات وتسويق المنقذين. فالدول الديمقراطية لا تبنى بالرهان على الفرد، وإنما بقوة المؤسسات، وجودة النخب، ووضوح المشاريع، واحترام قواعد اللعبة الدستورية. وكل محاولة لاختزال مستقبل بلد بأكمله في شخص واحد، مهما كانت مكانته أو نجاحاته، ليست سوى تعبير عن أزمة سياسية عميقة أكثر منها مؤشرا على حيوية ديمقراطية حقيقية.


(الصورة معدة من طرف الذكاء الاصطناعي).