مجتمع وحوداث

لسنا دولةً داخل الدولة بل مواطنين لتجسيد صوتُ العقل داخلها

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

كتب جوزيه ساراماغو في روايته «العمى»: «لا أعتقد أننا أصبنا بالعمى، بل أعتقد أننا عميان؛ عميان يرون، لكنهم لا يبصرون.» ولم يكن يقصد عمى الأبصار، وإنما عمى البصائر؛ ذلك العمى الذي يجعل الإنسان يرى الوقائع، لكنه يعجز عن إدراك معانيها، ويجعل المؤسسات تمتلك أدوات القوة، لكنها تفقد القدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والاختلاف المشروع.

ولعل أخطر صور هذا العمى أن تُقرأ المطالب الدستورية بمنظار أمني، وأن يُنظر إلى استقلال المهن باعتباره مشروعاً للمنازعة في سلطة الدولة، لا ضمانة من ضمانات دولة الحق والقانون. وهنا تتوارى الحجة أمام الشبهة، ويحل الوصم محل النقاش، ويتحول الاختلاف إلى تهمة جاهزة.

ومن هذا المنطلق، يروج خطاب يزعم أن المحامين يؤسسون لـ"دولة داخل الدولة". وهي عبارة قد تبدو للوهلة الأولى توصيفاً سياسياً، لكنها في حقيقتها لا تعدو أن تكون شكلاً من أشكال الإرهاب الفكري؛ لأنها تستهدف نزع المشروعية عن المطالب المهنية والحقوقية عبر إلصاقها بخطر متخيل، بدلاً من مناقشتها في ضوء الدستور والقانون.

والحال أن هذا الادعاء يفتقر، من الناحية العلمية، إلى أي أساس في الفقه الدستوري أو علم السياسة. فمفهوم "الدولة داخل الدولة" لا يطلق على كل مؤسسة مستقلة، وإنما يصف كياناً موازياً ينازع الدولة عناصر سيادتها الأساسية، كاحتكار القوة، أو القضاء، أو الجباية، أو القرار السياسي والأمني. أما هيئات المحامين فلا تنشأ إلا بقانون، ولا تمارس اختصاصاتها إلا في حدوده، ولا تمتلك أي مظهر من مظاهر السيادة أو السلطة العامة، وإنما تؤدي وظيفة دستورية قوامها حماية حق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. لذلك فإن استقلال المحاماة ليس تعبيراً عن سيادة موازية، وإنما هو استقلال وظيفي أقره الدستور لخدمة العدالة وصون الحقوق والحريات. ومن ثم فإن وصف المحاماة بأنها مشروع "دولة داخل الدولة" ليس توصيفاً علمياً، بل استعارة سياسية وسجالاً خطابياً، لا يقوم على معايير موضوعية ولا على وقائع قابلة للإثبات.

وحين يعجز هذا الخطاب عن مقارعة الحجة بالحجة، يستدعي ما يمكن تسميته بمتلازمة الوشاية والإدعاء العام؛ حيث تصبح التلميحات والاتهامات بديلاً عن الحوار، ويُستعاض عن تفنيد الأفكار بتشويه أصحابها، وكأن الدفاع عن استقلال المحاماة أو عن ضمانات المحاكمة العادلة فعلٌ يثير الريبة، لا ممارسة لواجب دستوري. وهكذا يتحول بعض الفاعلين من شركاء في النقاش العمومي إلى وكلاء للاتهام، ويُستبدل منطق البرهان بمنطق الاشتباه، في تعبير لا يكشف قوة الحجة بقدر ما يكشف العجز عن مواجهتها.

لكن الوقائع تكذب هذه السردية.

فكيف يمكن لجسم المحاماة أن يُصوَّر باعتباره مشروع "دولة داخل الدولة"، والحال أن التحولات الديموغرافية التي عرفتها المهنة خلال العقود الأخيرة أفرزت تركيبة اجتماعية ومهنية تتشكل نواتها الصلبة من قضاة وموظفين سابقين، ومن محامين ذوي مرجعيات فكرية وسياسية متباينة، ينتمي كثير منهم إلى أحزاب مشاركة في تدبير الشأن العام، أو غير مصنفة ضمن قوى المعارضة التقليدية؟ فأين هو ذلك "الخطر" الذي يُراد إقناع الرأي العام بوجوده؟ وأين هي معالم ذلك المشروع الموازي للدولة الذي لا يسنده واقع ولا تؤيده معطيات؟

إن المحاماة، بحكم رسالتها الدستورية، لا تزاحم الدولة في وظائفها، ولا تنازعها سيادتها، وإنما تؤدي وظيفة لا تستقيم العدالة من دونها. فاستقلال الدفاع ليس امتيازاً نقابياً، بل ضمانة للمواطن، وركن من أركان المحاكمة العادلة، وعنصر من عناصر التوازن داخل منظومة العدالة.

ثم هل يُعقل أن نُصدق أن الدولة قد استغنت عن جناحها المتنور والمعتدل داخل المجتمع المدني والحقوقي؟ وهل من مصلحة أي دولة أن تُضعف القوى التي طالما شكلت جسوراً للحوار، وصمامات أمان في مواجهة التطرف، ووسيطاً بين المجتمع ومؤسساته؟

إن الدولة القوية لا تخشى النقد، ولا تضيق باستقلال المهن، لأنها تدرك أن النقد الرشيد ليس خصماً للاستقرار، بل أحد شروطه. أما الدولة التي تنظر إلى كل صوت مستقل بعين الارتياب، فإنها تخاطر بأن تستبدل الثقة بالاشتباه، والحوار بالإقصاء، والعقل بالسردية الأمنية.

ولذلك فإن المحامين، وهم يدافعون عن استقلال مهنتهم، لا يطلبون إقامة دولة داخل الدولة، ولا يسعون إلى تقويض مؤسساتها؛ إنهم يدافعون عن دولة الحق والقانون، ويؤدون دورهم بوصفهم صوت العقل داخل الدولة. فالعلاقة بين المحاماة والدولة ليست علاقة تنازع على السلطة، وإنما علاقة تذكير دائم بأن السلطة نفسها مقيدة بالدستور، وأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات المستقلة، بل بقدرتها على الإصغاء إليها.

وأخيراً، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يختار استراتيجية الوصم بدل الحوار: أليست الكلفة التي تدفعها دولة القانون باهظة حين تستبدل مواجهة الحجة بالحجة بمنطق التخويف والاشتباه، وتتعامل مع المدافعين عن حقوقهم وضماناتهم الدستورية وكأنهم خصوم للدولة لا شركاء في بنائها؟ وأي مكسب يمكن أن يتحقق من تحويل الاختلاف المشروع إلى شبهة، والنقاش القانوني إلى ملف اتهام، سوى إضعاف الثقة في المؤسسات، وإفقار المجال العمومي، واستنزاف الرصيد الديمقراطي الذي لا يقوى إلا بحرية النقد واستقلال المهن؟

ولعل هذا هو المعنى العميق لعبارة ساراماغو: فالمجتمعات لا تدخل أزماتها لأنها فقدت القدرة على الرؤية، وإنما لأنها فقدت القدرة على الإبصار. وبين أن ترى المحاماة خصماً، وأن تبصر فيها شريكاً في حماية العدالة، يكمن الفارق بين دولة يحكمها منطق الاشتباه، ودولة يحكمها منطق الدستور.