قرأت هذا الصباح رسالة وصلتني أمس تحمل دعوة من إحدى مؤسسات الدولة لحضور مراسم الإنصات إلى الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش. لم تستوقفني الدعوة بقدر ما استوقفني ما أيقظته في ذاكرتي. فجأة، وجدت نفسي أعود إلى مساء مضى عليه سبعة وعشرون عاما، حين كانت القناة الوطنية تبث مراسم البيعة من قلب قاعة العرش .
لم أفكر، وأنا أستعيد ذلك المساء، في الخطاب ولا في المراسم، وإنما في سؤال ظل يؤرقني سنوات: متى يبدأ المواطن في إدراك معنى الدولة؟
لا أعتقد أن ذلك الإدراك يولد في قاعات الدرس، ولا في نصوص الدساتير، ولا في الخطب السياسية. إنه يتشكل، أحيانا، داخل بيت بسيط، أمام شاشة تلفاز، عندما يشعر الناس، بفطرتهم، أن ما يحدث أمامهم لا يخص السلطة وحدها، وإنما يمس استمرار الجماعة التي ينتمون إليها.
أتذكر والدتي وهي ترفع يديها بالدعاء كلما ظهر وجه ولي العهد الشاب. لم تكن تقرأ في القانون الدستوري، ولم تكن منشغلة بنظريات الحكم، لكنها كانت تدرك، بحسها الإنساني، أن انتقال المسؤولية في دولة عريقة ليس شأنا يخص القصر وحده، بل يمس مستقبل ملايين الناس الذين لن يلتقوا أبدا بصاحب تلك المسؤولية، ومع ذلك تتقاطع حياتهم اليومية مع قراراته.
احتجت إلى سبعة وعشرين عاما حتى أفهم أن ذلك الدعاء لم يكن موجها إلى شخص، وإنما إلى فكرة؛ فكرة أن تستمر الدولة قوية بما يكفي لتحمي اختلاف الناس، وأحلامهم، وطمأنينتهم، وأن يبقى الانتقال داخل مؤسساتها انتقالا يبدد الخوف بدلا من أن يصنعه..عاش الوطن و عاش الملك ولا عاش من خانهما.






