فن وإعلام

أغنية "الغربة".. ملك لكل قلب عرف معنى الغياب

عبد الرحيم شراد
أغنية "الغربة"، هي ملك لكل قلب عرف معنى الغياب. وكأن كل نغمة وكل كلمة فيها تحمل رسالة من مغترب ينتظر أن يسمع من يخبره أن الأهل بخير، وأن الأم التي ودعها ما تزال تخفي دمعتها يوم العيد، وأن الأب مازال يبتلع قلقه في صمت، وأن كل البيت بمن فيه من إخوة وأخوات ينتظر عودته.

لا يجب أن نحكم على هذه الأغنية بعقلية زمن الواتساب والتيك توك وكل مواقع التواصل؛ لأنه حين ظهرت هذه الأغنية سنة 1983 لم تكن عملا فنيا منفصلا عن الواقع، بل كانت صدى لنبض مجتمع بأسره، ولهذا احتضنها الناس كما يحتضنون جزءا من سيرتهم، خصوصا أن صوت المطرب الراحل محمد الغاوي -رحمه الله- عرف كيف يحول الألم الذي تنطق به كلمات الأستاذ علي الحداني، وكذلك الحنين، إلى ذاكرة لا يطويها النسيان.

يكفي أن ننطق بكلمة "الغربة" ونحن في جلسة مع الأصدقاء حتى نجد أحدهم بادر إلى القول: "والعشق الكادي يا قلبي وتحاماو عليك". وهكذا لم تعد "الغربة" مجرد صفحة مضيئة في مسيرة محمد الغاوي، بل أصبحت علامة بارزة في تاريخ الأغنية المغربية، وشاهدا على موهبة مطرب شاب تفوق في مسابقات "أضواء المدينة"، وعرف كيف يجعل من صوته جسرا عبرت عليه كلمات علي الحداني ولحن محمد بلخياط إلى وجدان المغاربة.

فما أصدق الكلمة وما أبقاها حين تخرج من القلب لتستقر في القلوب، ولتجعل من الحنين لغة، ومن الألم موسيقى، ومن الانتظار حلما أن نعانق من نحب، وأن نُمَتِّع النظر في وجوه الأهل والجيران والأصحاب. إن أقسى المسافات ليست تلك التي تفصل بين المدن والبلدان، بل تلك التي تفصل بين الإنسان ودفء المكان، أقصد دفء الوطن. و"الغربة" من أرقى الأغاني التي عبرت عن هذا وأيقظته فينا لأنه كان مستقرا في دواخل الذات.