سياسة واقتصاد

المغرب رقم صعب في معادلة البحر الأبيض المتوسط

نزهة الكوشي

من الغريب أن تصف دولةٌ جارة المغرب بأنه "عدو"، وتصف دولة إسبانيا بالبلد الشقيق. إسبانيا التي تجد نفسها اليوم، بعد تحرك عشرات الآلاف من الشباب المغاربة نحو سبتة، أمام أزمة غير مسبوقة أربكت مؤسساتها، واستنفرت أجهزتها، ووضعت حكومتها تحت ضغط داخلي وخارجي. 

فإذا كان المغرب، كما يدّعون، مجرد "عدو"، فلماذا كل هذا القلق؟ ولماذا كل هذا الاستنفار؟ ولماذا تحولت بضعة كيلومترات من الحدود إلى قضية شغلت أوروبا والعالم؟ لقد أثبت نحو خمسين ألف مغربي ومغربية، دون سلاح ولا قوة عسكرية، أن المغرب ليس دولةً هامشية يمكن تجاوزها أو التقليل من شأنها. 

ففي غضون ساعات، انتقل الحدث من حدود سبتة إلى صدارة نشرات الأخبار العالمية، وأصبح محور اجتماعات ومشاورات أوروبية، لأن الجميع أدرك أن ما يجري على حدود المغرب لا يبقى شأناً محلياً، بل يمتد أثره إلى القارة الأوروبية بأسرها. ولم يكن رد الفعل الأوروبي سوى اعتراف عملي بهذه الحقيقة. فقد سارعت عدة دول إلى تشديد إجراءاتها الحدودية، وأعادت إيطاليا فرض مراقبة على القادمين من إسبانيا، خشية انتقال تداعيات الأزمة إلى باقي فضاء شنغن.

 أما الولايات المتحدة، فقد تابعت التطورات عن كثب، لأن استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح عنصراً أساسياً في معادلات الأمن والهجرة على المستوى الدولي. أما أولئك الذين يرددون وصف المغرب بالعدو، فليتأملوا ما جرى جيداً. فالأحداث أثبتت أن المغرب ليس بلداً يمكن عزله أو تجاهله، وأن موقعه الجغرافي، وثقله البشري، ودوره الاستراتيجي، تجعل أي تطور يقع على حدوده يفرض نفسه على أوروبا والعالم. تلك ليست شعارات وطنية، بل حقائق كشفتها أزمة واحدة في أيام قليلة.

قد نختلف في تقييم السياسات، وقد نطالب بالإصلاح، وهذا حق مشروع، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المغرب أثبت مرة أخرى أنه رقم صعب في معادلة البحر الأبيض المتوسط، وأن من يحاول التقليل من مكانته يصطدم في النهاية بواقع تفرضه الجغرافيا، والتاريخ، وحقائق السياسة الدولية.