يقول فوزي لقجع. رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المكلف بالميزانية. إنه مستعد للنزول إلى الميدان. قريةً قريةً. ودوارًا دوارًا. للاستماع إلى المغاربة والإنصات إلى مشاكلهم.
جميل جدًا.
كأن المواطن المغربي كان جالسًا منذ سنوات على حافة الطريق. يحمل مشاكله في كيس بلاستيكي. وينتظر وصول المسؤول إليه كي يكتشف أن هناك بطالة. وفقرًا. وغلاءً. ومدارس تحتاج إلى إصلاح. ومستشفيات تحتاج إلى أطباء. وشبابًا يريدون مستقبلًا بدل انتظار قارب في البحر.
يا سيدي. المغاربة لا يحتاجون إلى مسؤول ينزل إليهم لكي يسمعهم.
المغاربة يتكلمون منذ عقود.
يتكلمون في المقاهي. وفي الحافلات. وفي الأسواق. وفي المستشفيات. وفي المدارس. وفي مواقع التواصل الاجتماعي. وفي صناديق الاقتراع. وأحيانًا يتكلمون بأقدامهم عندما يقررون مغادرة البلاد.
المشكلة ليست في أن المسؤول لا يسمع.
المشكلة أن المواطن لا يعرف ماذا يحدث بعد أن يسمعه المسؤول.
فالإنصات في السياسة ليس إنجازًا. الإنصات مجرد بداية. حتى الطبيب يستمع إلى المريض. لكن لا أحد يمنحه شهادة نجاح لأنه قال له: "سمعتك جيدًا"
المواطن يريد العلاج. لا محضر الاستماع.
يريد مدرسة. لا جولة انتخابية.
يريد مستشفى. لا خطابًا.
يريد عملًا. لا صورة جماعية أمام باب قرية.
ويريد مسؤولًا يعرف أن الدولة ليست مهرجانًا انتخابيًا طويلًا. وأن المواطن ليس جمهورًا يُستدعى للتصفيق كل خمس سنوات.
ثم هناك مسألة أخرى أكثر إحراجًا.
السياسة ليست جولة في الدواوير.
السياسة علم وفكر ونضال ومؤسسات وبرامج ومحاسبة.
ومن يريد أن يدخل السياسة عليه أن يعرف أن المواطن ليس مجرد رقم انتخابي. وأن القرية ليست ديكورًا انتخابيًا. وأن "دارًا دارًا وزنقةً زنقةً ودوارًا دوارًا" لا تصنع سياسة عامة.
هذه العبارة تصلح عنوانًا لحملة انتخابية. لكنها لا تصلح وحدها مشروعًا للحكم.
أما السؤال الذي ينبغي طرحه على المسؤول. فهو بسيط جدًا:
بعد أن تنزل إلى الشعب. ماذا ستفعل من أجل الشعب؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن النزول إلى المواطن سهل.
الصعب هو أن تصعد بمستوى الدولة.
الصعب أن تجعل الميزانية تصل إلى المواطن بدل أن يصل المواطن إليها وهو يحمل ملفًا إداريًا عمره عشر سنوات.
الصعب أن تخلق فرص العمل.
الصعب أن تصلح التعليم والصحة.
الصعب أن تجعل الشباب يرى مستقبله داخل المغرب. لا خلف أمواج البحر الأبيض المتوسط.
والصعب. قبل كل ذلك. أن تقنع المواطن بأن السياسة ليست مجرد باب آخر للامتيازات والمواقع والمناصب.
أما كرة القدم. فهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
لا أحد ينكر أن المنتخب المغربي حقق إنجازًا تاريخيًا بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022. وهو إنجاز يستحق التقدير.
لكن الإنجاز الرياضي لا ينبغي أن يتحول إلى شيك سياسي مفتوح.
حين نتحدث عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وعن ميزانياتها. وعن الدعم العمومي. وعن البنيات التحتية. وعن الأموال التي تُصرف على كرة القدم، فمن حق المواطن أن يسأل:
كم صُرف؟
ومن أين جاء المال؟
وأين ذهب؟
وماذا كانت النتائج؟
وهل توجد تقارير واضحة وشفافة تسمح للمواطن بفهم حجم الإنفاق العمومي على كرة القدم وعائده الرياضي والاجتماعي؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه هي الديمقراطية.
لأن المال العام ليس ملكًا لمسؤول، ولا لحزب. ولا لجامعة رياضية. ولا لوزارة.
إنه مال المغاربة.
وإذا كان المسؤول يريد أن يطرق أبواب المغاربة ليسمع مشاكلهم. فمن حق المغاربة أيضًا أن يطرقوا باب المسؤول ويسألوه عن تدبير المال العام.
وهنا يصبح الحديث عن "الإنصات" ناقصًا إذا لم يرافقه حديث عن المحاسبة.
ثم يأتي الحديث عن المغرب باعتباره دولة صاعدة.
نعم. المغرب يريد أن يكون دولة صاعدة.
لكن الدول لا تصعد بالخطب.
ولا تصعد بالصور.
ولا تصعد بعدد المسؤولين الذين ينزلون إلى القرى.
الدول تصعد عندما يصبح القانون أقوى من الشخص. والمؤسسة أقوى من الحزب. والمواطن أقوى من الخوف. والميزانية أكثر شفافية. والمسؤول أكثر قابلية للمحاسبة.
أما الأحزاب. فهذه قصة أخرى.
لقد أصبح المواطن المغربي أحيانًا أمام مشهد سياسي يشبه سوقًا كبيرًا في موسم الانتخابات: الجميع يرفع الأسعار. والجميع يقدم الوعود. والجميع يتحدث باسم الشعب. ثم بعد انتهاء الموسم يعود الشعب إلى طابوره الطويل أمام الإدارة والمستشفى ومصلحة التشغيل.
والأغرب أن بعض السياسيين يتذكرون المواطن عندما يحتاجون إليه. ثم يكتشفون بعد ذلك أن المواطن كان يحتاج إليهم منذ البداية.
هكذا تحولت السياسة عند البعض من مشروع لخدمة المجتمع إلى موسم لاكتشاف المجتمع.
والمواطن. المسكين. أصبح مطلوبًا منه أن يكون حاضرًا في الانتخابات. وغائبًا عن القرار.
أن يعطي صوته. ثم يستعيد صوته بعد سنوات.
أن يسمع الوعود. ثم ينتظر النتائج.
وإذا احتج. قيل له: "نحن نسمعك"
وإذا سأل عن النتائج. قيل له: "نحن نعمل"
وإذا سأل عن الحسابات. قيل له: "الأمور معقدة"
وهكذا يصبح المواطن هو الشيء الوحيد الواضح في بلد تكثر فيه الأشياء المعقدة.
لذلك. السيد فوزي لقجع. لا تنزل إلى الشعب من أجل أن تسمعه فقط.
فالشعب ليس أصم.
ولا هو بحاجة إلى مترجم سياسي.
الشعب يعرف جيدًا أين تؤلمه الأحذية.
ينقصه فقط مسؤولون يستطيعون أن يشرحوا له لماذا ظل الحذاء نفسه يضغط على قدمه كل هذه السنوات.
المغرب لا يحتاج إلى مسؤولين يعرفون كيف يصلون إلى المواطن.
المغرب يحتاج إلى مسؤولين يعرفون كيف يجعلون الدولة تصل إلى المواطن.
وهناك فرق شاسع بين الاثنين.
الأول يحتاج إلى سيارة وجولة وميكروفون.
أما الثاني فيحتاج إلى دولة عادلة، ومؤسسات قوية، وميزانية شفافة، وسياسات عمومية ناجحة، ومسؤول يعرف أن المنصب ليس ملكية خاصة.
وفي النهاية. إذا كانت الأحزاب تريد إقناع المغاربة بأنها قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، فلتترك قليلًا لغة الشعارات، ولتقدم الحسابات.
كم أنجزتم؟
كم أخفقتم؟
كم كلفتم الدولة؟
كم وفّرتم على المواطن؟
وكم وعدتموه بشيء ثم منحتموه شيئًا آخر؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في الانتخابات.
لأن المغرب لا يحتاج إلى حزب يقول: "سننزل إلى الشعب"
بل إلى حزب يستطيع أن يقول:
"هذه حصيلتنا. وهذه أموالكم. وهذه نتائجنا. وهذا ما أخفقنا فيه. وهذه مسؤوليتنا أمامكم."
أما النزول إلى الشعب. فالمغاربة يعرفون الطريق إلى المسؤولين جيدًا.
المشكلة أنهم. منذ زمن طويل. يبحثون عن طريق آخر:
طريق يؤدي من المسؤول إلى المواطن. وليس من المواطن إلى المسؤول.






