قضايا

الهجرة كسلاح جيوسياسي.. كيف توظّف إسبانيا ورقة الهجرة في تدبير أزمة سبتة؟ (الجزء الرابع والأخير 1/2)

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)

ليست أزمة سبتة مجرد أزمة حدودية، وليست الهجرة في هذا السياق مجرد حركة أفراد يبحثون عن مستقبل أفضل. إن اختزال ما يجري في «مشكلة هجرة» قد يحجب البعد الأعمق للظاهرة: تحول الحدود والهجرة إلى أدوات في إدارة القوة والنفوذ والعلاقات بين الدول.

ومن هذه الزاوية، تطرح سبتة سؤالاً أكبر من سؤال الأمن الحدودي: هل ما زالت إسبانيا تتعامل مع المغرب باعتباره شريكاً متساويًا، أم أن بعض ممارساتها تكشف استمرار منطق قديم في علاقة المركز الأوروبي بجاره الجنوبي، وإن تغيرت أدواته وأشكاله؟

بنية الاستعمار المستمرة: كيف تغيرت الوسائل وحافظ المنطق على جوهره؟

يصعب فهم العلاقة المغربية الإسبانية من دون استحضار التاريخ. فقد عرف المغرب زمناً كانت فيه إسبانيا قوة استعمارية على أجزاء من التراب المغربي، ثم انتقلت العلاقة بعد الاستقلال إلى مرحلة جديدة عنوانها الرسمي السيادة والتعاون وحسن الجوار.

غير أن انتهاء الاستعمار المباشر لا يعني بالضرورة انتهاء جميع علاقات القوة التي نشأت خلاله. ففي العلاقات الدولية المعاصرة، قد تتراجع السيطرة الترابية المباشرة، بينما تستمر أشكال أخرى من النفوذ عبر الاقتصاد، والتجارة، والهجرة، والتأشيرات، والأمن، والحدود، وشبكات المصالح.

وهنا تظهر أهمية المقاربة ما بعد الكولونيالية: ليس السؤال فقط من يحتل الأرض، وإنما من يمتلك القدرة على تحديد شروط الحركة والوصول والعبور والتفاوض.

ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح سبتة ومليلية أكثر من مجرد مدينتين حدوديتين. إنهما نقطتا تماس بين فضاءين غير متكافئين في القوة، ونافذتان أوروبيتان داخل المجال الجغرافي المغربي، وموضوعاً دائماً لإعادة إنتاج التوتر بين السيادة والجغرافيا والتاريخ.

التأشيرة: حين تصبح حرية الحركة امتيازاً غير متكافئ

من أكثر المفارقات دلالة في العلاقة المغربية الإسبانية مسألة التأشيرات. فالترتيبات الأوروبية المتعلقة بسبتة ومليلية أبقت، منذ انضمام إسبانيا إلى المنظومة الأوروبية، على اشتراط التأشيرة بالنسبة إلى المغاربة القادمين من خارج أقاليم تطوان والناظور، حتى عندما يكون مقصدهم سبتة أو مليلية حصراً.

وهنا لا يتعلق الأمر بإجراء إداري بسيط، بل بسؤال سوسيولوجي وسياسي أعمق:

من يملك حق الحركة، ومن يُطلب منه أن يثبت في كل مرة أنه يستحق الحركة؟

في المقابل، ظل الحضور الإسباني في المغرب واسعاً ومتنوعاً: سياح، مستثمرون، رجال أعمال، مهنيون، شركات، ومؤسسات اقتصادية وخدماتية.

ومن الطبيعي أن تكون للدول سياسات مختلفة في تنظيم الدخول والإقامة، لكن مبدأ المعاملة المتوازنة وعدم تحويل حرية الحركة إلى امتياز أحادي الجانب يجب أن يظل حاضراً في أي علاقة تدّعي الشراكة الاستراتيجية. فالمسألة إذن ليست المطالبة بإلغاء الحدود، وإنما مساءلة اللامساواة في إنتاج الحدود.

من إدارة الهجرة إلى «تسليحها» جيوسياسياً

الهجرة ظاهرة إنسانية واجتماعية قبل أن تكون ملفاً أمنياً. لكن عندما تتحول حركة البشر إلى ورقة ضغط في التفاوض بين الدول، فإننا نقترب مما يمكن تسميته تسييس الهجرة وتحويلها إلى أداة جيوسياسية.

ولا يعني ذلك أن كل تحرك إسباني في مجال الهجرة هو بالضرورة «سلاح» بالمعنى الحرفي. فإسبانيا، مثل بقية الدول الأوروبية، تواجه ضغوطاً حقيقية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، واللجوء، والاتجار بالبشر، وحماية الحدود. كما أن المغرب نفسه يعيش مشكلات اجتماعية واقتصادية حقيقية، ولا ينبغي إنكارها أو تحميل الخارج وحده مسؤولية كل ما يحدث.

لكن الاعتراف بالمشكلات الداخلية لا يمنح أي دولة أجنبية حق تحويل معاناة الشباب أو هشاشة بعض الفئات إلى أداة للضغط السياسي أو الأمني. وهنا يكمن الفارق بين التعاون المسؤول والتوظيف السياسي للهجرة.

لقد أصبحت إدارة الهجرة جزءاً من منظومة أوروبية واسعة لرقابة الحدود الخارجية. والاتحاد الأوروبي نفسه يعلن أنه يمول ويدعم إدارة الحدود في إسبانيا، بما في ذلك عمليات فرونتكس وأنظمة المراقبة والبنيات المرتبطة باستقبال الوافدين.

كما أن التعاون الأوروبي مع المغرب في مجال الهجرة يتضمن تمويلات مهمة مرتبطة بإدارة الحدود ومكافحة تهريب البشر والهجرة غير النظامية. وهذا يكشف أن المسألة ليست مغربية-إسبانية فقط؛ إنها جزء من نظام أوروبي أوسع لإدارة الحدود والهجرة خارج المجال الأوروبي.

حين تصبح الحدود «منطقة عازلة» لأوروبا

إن أوروبا تريد أن تظل حدودها آمنة، وهذا حق مشروع، لكنها في الوقت نفسه تدفع دول الجوار إلى تحمّل جزء متزايد من مسؤولية حماية حدودها الخارجية. وهنا تبرز مفارقة جيوسياسية واضحة: فكلما اتسعت وظيفة ضبط الهجرة خارج المجال الأوروبي، ازداد تحول المغرب، بحكم موقعه الجغرافي، إلى خط دفاع متقدم أو منطقة عازلة بين أوروبا ومجالات الهجرة القادمة من إفريقيا. وبذلك لا يعود المغرب مجرد شريك في تدبير ملف الهجرة، بل يجد نفسه يؤدي، بصورة متزايدة، وظيفة أمنية تقع في صلب حماية الحدود الأوروبية. فحماية الحدود يمكن أن تكون مجالاً للتعاون، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اختلالات القوة بين الشمال والجنوب.

حقوق الإنسان ليست امتيازاً أوروبياً

هنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً وغير انتقائي.

إذا كان من حق إسبانيا أن تحمي حدودها، فمن واجبها أيضاً أن تحترم حقوق الأشخاص الموجودين تحت سيطرتها الفعلية.

لقد سبق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تناولت عمليات الإرجاع الفوري في سياق حدود مليلية، وأكدت أهمية مسألة الاختصاص والمسؤولية عندما تكون السلطات الإسبانية صاحبة سيطرة فعلية على الأشخاص المعنيين.

كما سبق لمفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا أن شدد على أن إدارة الهجرة لا تعفي إسبانيا من التزاماتها بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان واتفاقية اللاجئين، بما في ذلك الحماية من الإعادة القسرية وحظر الطرد الجماعي وضمان الوصول الفعلي إلى إجراءات اللجوء.

وفي يونيو 2025، قالت منظمة العفو الدولية، بعد مهمة بحثية في سبتة، إن الوصول إلى اللجوء ما زال شديد الصعوبة، وأوردت شهادات عن عمليات إعادة فورية دون ضمانات إجرائية كافية.

كما أشارت المنظمة، في تقييمها لأوضاع حقوق الإنسان في إسبانيا، إلى أحكام قضائية إسبانية اعتبرت إعادة مهاجرين من محيط سبتة إلى المغرب من دون ضمانات أو إجراءات قانونية أمراً غير قانوني.

إن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يعني تبرير الهجرة غير النظامية، كما أن الدفاع عن سيادة المغرب لا يعني إنكار مسؤولية الدولة المغربية عن معالجة أسباب اليأس الاجتماعي والاقتصادي.

كما أن الشباب المغربي يحتاج إلى تعليم جيد، وفرص عمل، وعدالة اجتماعية، ومجالات للمشاركة، وثقة في المستقبل. وهذه مسؤولية وطنية قبل أن تكون موضوعاً لأي علاقة خارجية. لكن المسؤولية الوطنية لا تلغي المسؤولية الدولية. ولا يمكن لدولة أوروبية أن تقول للمغرب: حل مشكلاتك الاجتماعية، ثم تسمح لنفسها في الوقت نفسه بأن تجعل الحدود ورقة ضغط على المغرب. كما لا يجوز لأي جهة أن تشجع الشباب على المغامرة بحياتهم عبر الأخبار الزائفة أو الخطابات التي تصور أوروبا باعتبارها خلاصاً فردياً مضموناً.

فالهجرة ليست لعبة، والشباب ليسوا أدوات في صراع جيوسياسي.

بين الدبلوماسية النفعية والدبلوماسية المسؤولة

المشكلة الأكبر ليست في أن تبحث الدول عن مصالحها. فالمصلحة جزء طبيعي من العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما تصبح المصلحة بديلاً عن المبادئ.

إن العلاقة المغربية الإسبانية تحتاج إلى الانتقال من منطق «إدارة الأزمات» إلى منطق «الشراكة المتوازنة». والشراكة المتوازنة لا تعني أن تتخلى إسبانيا عن حماية حدودها غير المحتلة، ولا أن يتخلى المغرب عن التعاون في مكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية على حدوده المحتلة. بل تعني أن تكون هذه السياسات محكومة بالقانون الدولي، وبحقوق الإنسان، وبالشفافية، وبالمسؤولية المشتركة.

فالمغرب من حقه، بل من واجبه، أن يرفض أن يتحول شبابه إلى ورقة في معادلات الضغط والتفاوض الجيوسياسي. فالشباب ليسوا أداة لضبط العلاقات بين الدول، كما أن معاناتهم الاجتماعية والاقتصادية لا ينبغي أن تُستثمر من أي طرف لتوسيع النفوذ أو إعادة ترتيب موازين القوة.

يتبع