بلغ رصيد قروض الاستهلاك التي منحتها البنوك وشركات التمويل للأسر المغربية 183 مليار درهم عند نهاية العام الماضي، مسجلاً نمواً بنسبة 13.2 بالمئة، مقابل ارتفاع لم يتجاوز 7.9 بالمئة خلال السنة السابقة، وذلك في وقت تكشف فيه مؤشرات المديونية عن ارتفاع الضغط المالي على فئات واسعة من المقترضين، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود والأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 سنة.
وتوزع هذا الرصيد، حسب تقرير لبنك المغرب، بين 99 مليار درهم من القروض الممنوحة عبر شركات التمويل بزيادة سنوية بلغت 21 بالمئة، و84 مليار درهم من القروض البنكية التي ارتفعت بدورها بنسبة 5.6 بالمئة.
وفي هذا السياق، ارتفع متوسط معدل مديونية المستفيدين من قروض الاستهلاك إلى 36 بالمئة من دخلهم الشهري، مقابل 34 بالمئة في سنة 2024، غير أن هذا المتوسط يخفي أوضاعاً أكثر صعوبة؛ إذ تصل الأقساط الشهرية لدى بعض المقترضين إلى 70 بالمئة من دخلهم. وتشير البيانات إلى أن 38 بالمئة من المستفيدين سجلوا معدل مديونية يتجاوز 40 بالمئة من دخلهم عند نهاية 2025 مقابل 32 بالمئة في السنة السابقة، وهو ما يرتفع عن المتوسط المسجل بين عامي 2015 و2023 والذي استقر عند 28 بالمئة.
كما يمثل المقترضون الذين تتراوح نسبة مديونيتهم بين 40 و50 بالمئة نحو 36 بالمئة من إجمالي المستفيدين، بينما بلغت حصة من تتراوح مديونيتهم بين 50 و60 بالمئة 26 بالمئة مقابل 24 بالمئة خلال السنة السابقة، في حين استقرت حصة المقترضين الذين تتراوح مديونيتهم بين 60 و70 بالمئة عند 15 بالمئة، ومن تتجاوز مديونيتهم 70 بالمئة عند 23 بالمئة.
وتؤكد الأرقام أن الفئات ذات المداخيل الضعيفة تتحمل العبء الأكبر، فقد بلغ متوسط معدل المديونية 62 بالمئة لدى الأشخاص الذين يقل دخلهم الشهري عن 4000 درهم، وانخفض إلى 60 بالمئة لدى من تتراوح مداخيلهم بين 4000 و6000 درهم.
وسجل المستفيدون الذين تتراوح مداخيلهم بين 6000 و10 آلاف درهم معدل مديونية في حدود 59 بالمئة، مقابل 50 بالمئة بالنسبة لمن يتجاوز دخلهم الشهري 10 آلاف درهم. ورغم أن أصحاب الدخل الأعلى يستخدمون الجزء الأكبر من القروض، فإن محدودية دخل الفئات الهشة تجعل أي التزام شهري أكثر ثقلاً على ميزانيتها، وتعرّضها لصعوبات مباشرة عند فقدان العمل أو المرض أو حدوث مصاريف طارئة. وتحذر معدلات توزيع المستفيدين الذين تجاوزت مديونيتهم 40 بالمئة من أن 51 بالمئة منهم يتقاضون أكثر من 10 آلاف درهم شهرياً، و28 بالمئة تتراوح مداخيلهم بين 6000 و10 آلاف درهم، و17 بالمئة بين 4000 و6000 درهم، فيما يمثل من يقل دخلهم عن 4000 درهم نسبة 4 بالمئة.
ويتصدر الموظفون العموميون وأجراء القطاع الخاص مجتمعين 68 بالمئة من قروض الاستهلاك، ويمثل الموظفون 63 بالمئة من المقترضين، مقابل 60 بالمئة خلال السنة السابقة، بينما تبلغ حصة المتقاعدين 51 بالمئة، وأصحاب المهن الحرة 59 بالمئة، والأجراء 56 بالمئة. وسجل أجراء القطاع الخاص أعلى متوسط للمديونية بنسبة 44 بالمئة، مقابل 34 بالمئة لموظفي القطاع العام، أما المتقاعدون، الذين يمكنهم في بعض الحالات التعاقد على قرض استهلاكي إلى غاية سن السبعين، فسجلوا معدلاً معتدلاً في حدود 32 بالمئة.
وبحسب التوزيع العمري، يستحوذ المقترضون بين 40 و50 سنة على نصيب مهم من قروض الاستهلاك، وتحديداً من تتراوح أعمارهم بين 40 و45 سنة بنسبة 24 بالمئة. لكن أعلى مستويات المديونية تظهر لدى الفئة العمرية بين 50 و60 سنة، بمتوسط يصل إلى 61 بالمئة من الدخل، مقابل 58 بالمئة لدى الفئة بين 40 و50 سنة. أما الأشخاص دون 30 سنة فسجلوا أدنى معدل للمديونية في حدود 29 بالمئة، رغم أنهم لا يمثلون سوى 6 بالمئة من مجموع المقترضين.
ولا يقتصر ضغط المديونية على قيمة الأقساط الشهرية، بل يمتد إلى طول مدة السداد، فقد ارتفعت حصة قروض الاستهلاك التي تبدأ مدة أدائها من سبع سنوات منذ 2019، قبل أن تستقر عند نحو نصف إجمالي الرصيد. وفي المقابل، تراجعت حصة القروض التي تتراوح آجالها بين خمس وسبع سنوات إلى 11 بالمئة، ما يعكس لجوء المقترضين نحو تمديد فترة الأداء لتخفيف قيمة القسط الشهري، وهو ما يكون على حساب زيادة الكلفة الإجمالية للقرض.
ويعتمد بنك المغرب نسبة 40 بالمئة من الدخل مرجعاً لتقييم قدرة المقترض على تحمل الدين، غير أن هذه العتبة ليست قاعدة ملزمة لجميع مؤسسات الائتمان. وتكشف المعطيات أن بعض المقترضين يصلون إلى معدلات مديونية تناهز أو تتجاوز 70 بالمئة من دخلهم الشهري.
ورغم أن تجاوز هذه العتبة يدفع بعض مؤسسات التمويل لاعتماد آليات مختلفة لتقييم قدرة الزبون، كما أن القرض العقاري لا يدخل دائماً ضمن الحساب نفسه باعتباره مضموناً برهن عقاري، إلا أنه يمثل التزاماً مالياً يضغط على قدرة الأسرة على السداد.
وتضع هذه المؤشرات قضية مديونية الأسر في قلب النقاش حول عملية الاستهلاك وشروط منح القروض، فحين تلتهم الأقساط معظم الدخل، يتحول التمويل من وسيلة لتلبية الحاجات إلى عبء دائم يجعل ميزانية الأسرة شديدة الهشاشة أمام أي صدمة مالية.






