سياسة واقتصاد

رثاء الاتحاد… حين تصبح الجثة عبئا على الذاكرة

عبد العزيز بنصالح

قال الشاعر والكاتب والصحافي حسن نجمي، قبل سنتين أو يزيد، إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صار «جثة تنتظر دفنها». يومها بدت العبارة قاسية، وربما اعتبرها البعض مجرد حكم متشائم على حزب تاريخي ما زال يحمل اسماً له رنينه في الذاكرة السياسية المغربية.

لكن الجثة لم تُدفن.

تركوها في ثلاجة السياسة، وأحكموا إغلاق الباب عليها، لعل الزمن يفعل فعلَه، ولعل الذاكرة تنسى أن لهذا الجسد يوماً قلباً ينبض، ورجالاً دفعوا الثمن، وسجوناً ومنافي وتضحيات، وأجيالاً آمنت بأن السياسة يمكن أن تكون طريقاً إلى الحرية والعدالة والكرامة.

غير أن الجثث، حتى وهي في الثلاجات، لا تتوقف عن التحلل.

واليوم بدأت الرائحة تصل إلى كل مكان.

لم تعد القضية مجرد تراجع انتخابي، ولا أزمة تنظيمية عابرة، ولا خلاف بين قيادات، ولا صراع حول المواقع. إنها مأساة حزب كان ذات يوم أحد عناوين المعارضة الوطنية والديمقراطية، فإذا به يجد نفسه في قلب فضائح وشبهات تتعلق بما يُتداول عن بيع التزكيات بمبالغ مالية ضخمة.

وهنا لا يعود السؤال: لماذا خسر الاتحاد الاشتراكي جماهيريته؟

السؤال الأكثر إيلاما هو: ماذا بقي من الاتحاد الاشتراكي؟

أي معنى بقي من حزبٍ كان اسمه مرتبطاً بالدفاع عن الفئات الشعبية، إذا أصبحت التزكية ــ إن صحت الادعاءات المتداولة ــ سلعة تُقاس بالملايين؟

وأي معنى بقي من تاريخ نضالي طويل إذا تحولت العلامة الحزبية إلى مجرد واجهة يتنافس عليها أصحاب المال والنفوذ؟

وأي احترام يمكن أن تطلبه مؤسسة سياسية من المواطنين إذا أصبح المواطن يسمع عن ملايين تُدفع من أجل المرور إلى البرلمان، بينما يُطلب منه هو أن يصدق أن السياسة ما زالت رسالة؟

المؤلم في الحكاية أن الاتحاد لا يملك ترف التعامل مع هذه الفضائح باعتبارها مجرد «أخبار سيئة». فالحزب التاريخي لا يعيش فقط من حاضره، وإنما يعيش أيضاً من رصيده الرمزي. وعندما يتحول هذا الرصيد إلى غطاء لممارسات تُناقض جوهره، فإن الخسارة لا تكون انتخابية فقط، بل تصبح خسارة للذاكرة نفسها.

لقد كان الاتحاد الاشتراكي، في زمن مضى، مدرسة في المعارضة والنضال السياسي. كان اسمه مرتبطاً بأشخاص دفعوا من حرياتهم وأعمارهم ثمناً لمواقفهم. وكان هناك من يختلف معه سياسياً، لكنه لا يستطيع أن ينكر أنه كان جزءاً من تاريخ المغرب السياسي الحديث.

أما اليوم، فإن المأساة أن الحزب أصبح مادة للسخرية عند بعض الناس، بعدما كان مادة للنقاش والاختلاف والصراع الفكري.

وهذه هي النهاية الأكثر قسوة لأي حزب: أن يتحول من فكرة تختلف معها أو تتفق معها إلى نكتة لا تحتاج حتى إلى موقف سياسي.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشكلة ليست في اسم «الاتحاد الاشتراكي» ذاته، ولا في آلاف المناضلين الذين ما زالوا يؤمنون بما تأسس عليه الحزب. المشكلة في الذين اختطفوا الاسم من معناه، وحولوا التنظيم من وسيلة لخدمة المشروع السياسي إلى وسيلة لإعادة إنتاج المواقع والمصالح.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس تجميل الجثة.

وليس وضع مساحيق جديدة على وجهها.

وليس إصدار بيانات تنفي هذه الفضيحة أو تلك، بينما تتناسل الأسئلة من شمال البلاد إلى شرقها ومن جنوبها إلى غربها.

المطلوب فتح التحقيق، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، ووضع حد لهذا العبث قبل أن يتحول الفساد الحزبي إلى قاعدة سياسية.

فإذا كانت هناك فعلا أموال تُطلب مقابل التزكيات، فليكن القضاء والرقابة والمؤسسات أمام مسؤوليتها. وإذا كانت الاتهامات باطلة، فليكن كشف الحقيقة هو الوسيلة الوحيدة لإسكاتها.

أما الصمت، فلن يفعل سوى شيء واحد: تعفين الجثة أكثر.

ولذلك ربما حان الوقت لكي يُطرح السؤال الذي يهرب منه الجميع:

هل نريد إنقاذ الاتحاد الاشتراكي، أم نريد فقط إطالة عمره؟

فالإنقاذ الحقيقي لا يكون بتمديد حياة تنظيم فقد بوصلته، وإنما بإعادة السياسة إلى معناها، وإعادة الاعتبار للمناضل، وإغلاق سوق التزكيات، وقطع الطريق أمام المال السياسي، وفتح الأبواب أمام الكفاءة والنزاهة والأجيال الجديدة.

وإذا كان الحزب قد انتهى بالفعل، فليكن شجاعاً بما يكفي للاعتراف بذلك.

فالدفن أحياناً أكرم من إبقاء الجثة معلقة بين الحياة والموت.

دفن الجثة السياسية لا يعني دفن التاريخ.

بل ربما يكون هو الطريق الوحيد لإنقاذ التاريخ من أن يتحول إلى عفن.

أما أن تبقى الجثة في ثلاجة الفساد، تتعفن ببطء، وتطلق رائحتها على الحياة السياسية كلها، فذلك ليس وفاءً للاتحاد ولا احتراماً لمناضليه.

إنه فقط تأجيل لموعد الجنازة، مع تعميم الرائحة على البلاد.

والبلاد لا تحتاج إلى مزيد من الجثث السياسية.

تحتاج إلى أحزاب حية.

تحتاج إلى سياسة تستحق الثقة.

وتحتاج قبل كل شيء إلى أن تتوقف الأحزاب عن بيع ما تبقى من شرفها السياسي لمن يدفع أكثر.