الحقيقة أن هذا التناقض تناقض ظاهري فحسب، لأن السفر الذي ينتقده دولوز هو ما يسميه، في "الأبجدية": "قطيعة بثمن بخس". يقول: "هذا هو السبب الأول لنفوري من السفر: إنه قطيعة بثمن بخس". "أتفهم تماما ما عبر عنه فيتزجيرالد، رحلة واحدة لا تكفي لصنع قطيعة حقيقية. إن أردت القطيعة، فافعل شيئا آخر غير السفر. ثمة مراسلون كبار كتبوا كتبا عن ذلك، جابوا فيتنام وأفغانستان وكل مكان، ثم قالوا إنهم كانوا يبحثون عن أب".
لا يعارض دولوز السفر بوصفه انتقالا في المكان، وإنما يعارض الاعتقاد بأن كل انتقال مكاني هو بالضرورة انتقال وجودي. فالسفر، في أغلب الأحوال، لا يعدو أن يكون "قطيعة بثمن بخس"، لأن المسافر لا يفعل سوى حمل عاداته معه. غير أن دولوز لا يستبعد وجود رحلات استثنائية يصبح فيها السفر نفسه قوة مولدة للاختلاف. ولهذا يعترف بأن تجربة السفر عند لوكليزيو أو لورنس أو ستيفنسون لم تكن عرضا في حياتهم، بل كانت جزءا من تكوينهم، لأنها أحدثت فيهم تحولات حقيقية في الحساسية والإدراك. اختيار هذه الأسماء ليس اعتباطا، فالسفر عند هؤلاء ليس موضوعا من موضوعات الكتابة، ولا مجرد تجربة شخصية، وإنما هو "الشدة" التي أعادت تشكيل حساسيتهم، وأسلوبهم، وعلاقتهم بالعالم. ولذلك يقول عن ستيفنسون إن أسفاره "ليست أمرا ثانويا"، أي إنها ليست حادثا عابرا في سيرته، بل جزء من تكوينه الإبداعي.
ومع ذلك، فإن هذه الاستثناءات لا تنقض فلسفة دولوز، بل تؤكدها، فالذي جعل سفر لوكليزيو أو ستيفنسون استثنائيا ليس كونه تنقلا في المكان، وإنما لأنه تحول إلى شدة، أي إنه لم يبق انتقالا جغرافيا، بل أصبح انتقالا "وجوديا".
أما هو فإنه لا يرى ضرورة للتنقل المكاني، لأن أشكال الشدة التي يعرفها شدات لا تحتاج إلى تنقل، يقول: "جميع أشكال الشدة التي أعرف هي شدات ساكنة. إنها تتوزع في الفضاء، أو في أنساق أخرى ليست بالضرورة فضاءات خارجية. عندما أقرأ كتابا أعجب به، أو عندما أستمع إلى موسيقى أراها جميلة، ينتابني حقا إحساس بأنني أنتقل إلى حالات وجودية أخرى... ولم يحدث قط أن ألهمني السفر مثل هذه الانفعالات. لا يمكن لأي سفر أن يثير في مثل هذه المشاعر. فلماذا أذهب لأبحث عن هذه الانفعالات في أماكن لا تلائمني كثيرا، بينما أجد أجملها داخل أنساق ساكنة كالموسيقى والفلسفة؟ هناك جغرافيا للموسيقى، وهناك جغرافيا للفلسفة، أعني أن هناك بلدانا عميقة، وهذه هي أوطاني الحقيقية".
فالحركة لا تكمن عنده في الانتقال المكاني، والوطن ليس قطعة من الأرض، وإنما المجال الذي تتولد فيه الشدات التي تجعل الحياة أكثر امتلاء. تكون القطيعة "بثمن بخس"، ليس لكونها بسيطة التكلفة، وإنما عندما تكون الشدات التي تتولد عنها ضعيفة القوة. ومن هنا نفهم حديثه عن "الشدات الساكنة". فالشدة ليست حدثا مكانيا، بل كيفية في الوجود. يمكن للمرء أن يبقى في المكان نفسه، ومع ذلك "يتنقل"، ويعبر مسافات وجودية هائلة.
فما يهم ليس الموضوع الذي يتعلق به الإحساس، ولا ذاك الذي ينصب عليه التفكير، وإنما "شدة" الإحساس و"شدة" الفكر، تلك الشدة التي لا تتحدد، مثل الشدة الكهربائية، إلا بالخارج الذي "توصل به"، وبقوة التيار الذي يمر، وبما يتولد عنه من مفعولات مغناطيسية وحرارية تحوله وتنقله "خارجا"، فتقيم "تيارا ضد تيار، وآلة ضد أخرى، وتجريبا ضد آخر".
فعندما نقول إذن إن دولوز فيلسوف الحركة، فإننا لا نقصد حركة الإنسان الذي يعتقد أنه غير حياته لأنه غير المكان، بينما يكون قد نقل عاداته وأوهامه معه. إن تغيير الإحداثيات الجغرافية لا يضمن حدوث أي تحول حقيقي.
ربما من أجل ذلك فهو يمتدح الرحّل، إلا أنه لا يمتدحهم بوصفهم كثيري التنقل، بل لأنهم يجسدون علاقة مختلفة بالحركة. الرحل لا يسافرون، المهاجر هو الذي يتنقل من أرض إلى أخرى، أما الرحل فيظلون أوفياء لأرضهم حتى عندما تصبح غير قابلة للسكن، إنهم يتحركون داخلها لا خارجها. ولذلك يصبح الترحال عند دولوز شكلا من أشكال الإقامة، لا نقيضا لها. إن الرحل لا يقطعون صلتهم بالأرض، بل يعيدون باستمرار رسم علاقتهم بها.
ليس المقصود بالثنائية داخل/خارج هنا ثنائية مكانية. لذلك يقول عن الرحل إنهم يرحلون "داخل" أرضهم لأنهم لا يريدون مغادرتها، فهم حرفيا يظلون في مكانهم، يتشبثون بأرضهم حين تتصحر. لذا يمكن القول بمعنى ما، لا أحد أكثر ثباتا من الرحال، ولا أحد يسافر أقل منه.
ليست عبارة "الرحل لا يسافرون" مجرد مفارقة لغوية، بل إنها تلخص الفرق بين "الفضاء المخطط" الذي تتحرك فيه الدولة والمهاجر، و"الفضاء الأملس" الذي يعيش فيه الرحل. عندئذ يتبين أن رفض السفر لا يتعلق بالحركة ذاتها، بل بنمط معين من الحركة، هو الحركة التي لا تنتج اختلافا، ولا تفتح إمكانا جديدا للصيرورة.
عندما يجعل دولوز الترحال "الداخلي" مقابلا للسفر "الخارجي"، فهو لا يقصد تعارضا بين داخل وخارج، وإنما تعارضا بين التنقل المكاني وتنقل الشدات، لنقل إنه تعارض بين التنقل الجغرافي والتنقل الفيزيائي (اعتبارا بأن مفهوم الشدة أساسا مفهوم كهربائي). فالمسألة ليست انتقالا إلى "داخل الذات"، بل انتقال بين فضاءات الفكر والفن والإحساس. الأمر لا يتعلق بتنوع الأمكنة، وإنما بتوزيع الكثافات، ورسم الفضاءات، وخطوط العبور بين أنماط الوجود المختلفة. لذلك لا تكون الحركة انتقالا من مكان إلى آخر، بل عبور من شدة إلى أخرى، ومن كيفية في العيش أو الإحساس إلى كيفية مغايرة.






