رياضة

الالتراس وصناعة الهوية والتعبير الفني والتنشئة الاجتماعية

حكيم السعودي
لم تعد مدرجات الملاعب الرياضية في المغرب مجرد فضاءات مخصصة لمتابعة المباريات وتشجيع الفرق بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مجالات رمزية وثقافية واجتماعية تنتج فيها جماعات المشجعين أشكالا متعددة من التعبير الجماعي. وفي قلب هذا التحول تبرز ظاهرة الالتراس باعتبارها تجربة جماعية تتجاوز حدود التشجيع التقليدي لتؤسس لنمط خاص من التواصل يقوم على الصورة والصوت والحركة والإيقاع واللون والرمز والكلمة ويحول المدرج إلى فضاء فرجوي تتقاطع داخله عناصر فنية وثقافية وتربوية متعددة.

فالمدرج في هذه الحالة لا يعود مجرد مكان يشاهد فيه الجمهور مباراة كرة القدم وإنما يصبح مسرحا مفتوحا له لغته الخاصة وطقوسه ورموزه وأدواره وقواعده الداخلية وتصبح الجماهير جزءا من العرض و قد تتحول في بعض اللحظات إلى صانعة للفرجة ومخرجة لها ومؤدية في الوقت نفسه. فالأغنية الجماعية والرايات واللافتات والتيفوهات والحركات الموحدة والألوان والإيقاعات كلها مكونات تؤسس لشكل من أشكال التعبير الفني الجماعي الذي يستحق الدراسة بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية.

ومن هذا المنطلق فإن قراءة مدرجات الالتراس بالمغرب من زاوية التربية الفنية والثقافية تسمح بالخروج من المقاربات الاختزالية التي تربط الظاهرة فقط بالعنف والشغب أو بالتعصب الرياضي. فهذه الظاهرة رغم ما قد يرتبط بها من مظاهر سلبية أو ممارسات مرفوضة تحمل أيضا إمكانات إبداعية وتنظيمية وثقافية جديرة بالتأمل خصوصا عندما يتعلق الأمر بقدرة الشباب على إنتاج رموزهم وتنظيم أنفسهم وتطوير أشكال مبتكرة من التعبير الجماعي وتحويل المدرجات إلى فضاء لإعادة بناء الهوية والانتماء.وتنبع أهمية هذا الموضوع من كون الالتراس ظاهرة شبابية في الأساس والشباب يشكلون فئة مركزية في التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي. لذلك فإن فهم ما يجري داخل المدرجات يمكن أن يساعد على فهم جزء من التحولات التي تحدث خارجها أيضا لأن المدرج يعكس في كثير من الأحيان توترات المجتمع وانتظارات الشباب وأحلامهم ومواقفهم وطريقة تعبيرهم عن ذواتهم.ة ويحاول هذا البحث مساءلة الظاهرة من خلال مجموعة من الأسئلة المركزية: كيف تحولت مدرجات الالتراس إلى فضاءات للفرجة والتعبير الفني؟ ما الأبعاد التربوية والثقافية التي يمكن استجلاؤها من هذه التعبيرات؟ كيف تنتج الجماهير لغة رمزية خاصة بها؟ وما علاقة هذه اللغة بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية؟ وهل يمكن اعتبار المدرج مدرسة غير رسمية للتعلم الجماعي واكتساب المهارات؟ ثم إلى أي حد يمكن توظيف هذه الطاقة الإبداعية والثقافية في خدمة التربية على المواطنة والفن والثقافة؟

كان الجمهور الرياضي تاريخيا يؤدي دورا يبدو بسيطا: الحضور، المتابعة، التشجيع والتفاعل مع نتيجة المباراة. غير أن تطور ثقافة الالتراس أدى إلى تغيير جوهري في وظيفة المدرج. فلم يعد الجمهور ينتظر الفرجة التي يقدمها اللاعبون داخل الملعب فقط، وإنما أصبح ينتج فرجته الخاصة داخل المدرجات. وهنا تبرز إحدى أهم التحولات السوسيولوجية التي أحدثتها الظاهرة: الانتقال من الجمهور المتلقي إلى الجمهور الفاعل، فالالتراس لا يكتفي بالتصفيق والهتاف وإنما يشارك في بناء مشهد بصري وسمعي متكامل وقد يستغرق إعداد بعض العروض وقتا طويلا من اختيار الفكرة إلى تصميم اللوحات و اللافتات إلى تحديد الألوان وترتيب أماكن توزيع المواد وتدريب المشاركين على الحركات والإيقاعات ثم تنفيذ العرض في لحظة محددة من المباراة.وهذا يعني أن المدرج يصبح أشبه بمسرح جماعي لكن الاختلاف الأساسي هو أن الجمهور هنا ليس متفرجا على المسرح بل هو المسرح نفسه.

إن الجسد الجماعي للجمهور يتحول إلى أداة فنية ، فالآلاف من الأشخاص يمكن أن يتحركوا وفق إيقاع واحد ويرفعوا الأعلام في لحظة واحدة ويرددوا الكلمات نفسها ويصمتوا في لحظة محددة ثم ينفجروا بالصوت والحركة في لحظة أخرى.

إننا أمام شكل من أشكال الفن الجماعي الذي يصعب اختزاله في مفهوم التشجيع التقليدي.تتميز الفرجة التي تنتجها الالتراس بكونها لا تقوم فقط على العناصر الجمالية وإنما تحمل مضامين ورموزا ودلالات، فاللون ليس مجرد لون والراية ليست مجرد قطعة قماش والعبارة ليست مجرد كلمات، والتيفو ليس مجرد لوحة كبيرة.وقد ترتبط هذه الرسائل بتاريخ النادي أو المدينة أو الذاكرة الجماعية أو شخصيات رمزية أو أحداث معينة أو قيم يعتبرها الجمهور جزءا من هويته.ومن هنا يمكن النظر إلى المدرج باعتباره فضاء لإنتاج الثقافة الشعبية المعاصرة. فالثقافة لا تنتج فقط داخل المؤسسات الرسمية كالمدرسة والجامعة والمسرح والمتحف وإنما يمكن أن تنتج أيضا في الشارع والحي والمقهى والملعب و المدرج والالتراس تقدم نموذجا واضحا على الثقافة التي يصنعها الشباب لأنفسهم، بلغتهم الخاصة، وبأدواتهم وبمرجعياتهم وبطرائقهم في التواصل.

إنها ثقافة جماعية تتشكل من الأسفل وليست بالضرورة ثقافة يتم تلقينها من مؤسسة رسمية إلى أفراد و يعد التيفو من أبرز التعبيرات البصرية التي ارتبطت بثقافة الالتراس وهو في جوهره عمل فني جماعي يحتاج إلى فكرة وتصميم وتخطيط وتنفيذ وتنسيق.ومن الناحية الجمالية يمكن قراءة التيفو باعتباره لوحة فنية ضخمة تتحرك داخل فضاء المدرج، فهو يستفيد من مبادئ اللون والتكوين والتباين والرمز والخط والصورة لكن أهم ما يميزه هو بعده الجماعي، فالفنان التقليدي قد يقف أمام لوحة ويرسمها بيده بينما يحتاج التيفو إلى مئات أو آلاف الأشخاص لكي يتحول التصميم إلى صورة حية وهنا تنتقل العملية الفنية من الفرد إلى الجماعة وهذا التحول له قيمة تربوية كبيرة لأنه يعلم المشاركين معنى التنسيق والانضباط واحترام التوقيت والعمل الجماعي، فالخطأ الفردي يمكن أن يؤثر على الصورة الجماعية وبالتالي يدرك الفرد أن نجاح العمل يتطلب منه أن يكون جزءا من منظومة أكبر من ذاته ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار التيفو تمرينا عمليا في التربية على العمل الجماعي.إذا كان التيفو يمثل الجانب البصري من الفرجة فإن الأغاني والهتافات تمثل جانبها السمعي ،لقد طورت الالتراس أنماطا خاصة من الأهازيج الجماعية تعتمد على الإيقاع والتكرار والتجاوب بين مجموعات الجمهور. وفي كثير من الأحيان تصبح المدرجات فضاء موسيقيا مفتوحا حيث يتحول الصوت الجماعي إلى أداة لصناعة الانسجام.

ولا تكمن أهمية هذه الممارسة في الجانب الموسيقي فقط، بل في قدرتها على خلق إحساس قوي بالانتماء. عندما يردد آلاف الأشخاص الكلمات نفسها في اللحظة نفسها يشعر الفرد بأنه جزء من جماعة أكبر منه. يصبح صوته جزءا من صوت جماعي، ويصبح حضوره جزءا من هوية جماعية. ومن الناحية التربوية يمكن النظر إلى هذا الأمر باعتباره ممارسة تعلم الفرد الإصغاء إلى الآخرين وضبط صوته وإيقاعه، والاستجابة للإشارات الجماعية إنها تربية غير رسمية على التناغم.

من أهم خصائص ثقافة الالتراس امتلاكها لغة رمزية خاصة.تظهر هذه اللغة في أسماء المجموعات والشعارات والعبارات والأغاني والرموز البصرية وطريقة استعمال الألوان، وحتى في طريقة تنظيم المدرج وهذه اللغة تؤدي وظيفة أساسية تتمثل في بناء الهوية، فالإنسان لا ينتمي إلى الجماعة فقط لأنه موجود معها في المكان نفسه وإنما لأنه يتقاسم معها معاني ورموزا وذاكرة مشتركة.ومن هنا يصبح المدرج فضاء لإنتاج الهوية الجماعية وإعادة إنتاجها. وإذا كانت المدرسة الرسمية تقدم للطفل والشاب مجموعة من الرموز والقيم والانتماءات، فإن جماعة الالتراس تقدم بدورها نظاما رمزيا خاصا بها.وهذا يفتح أمام الباحث سؤالا مهما: كيف يتفاعل النظام الرمزي الذي تنتجه الالتراس مع الرموز الثقافية والاجتماعية التي تنتجها المؤسسات الرسمية؟

التربية لا تحدث فقط داخل الفصل الدراسي، فالإنسان يتعلم من الأسرة والشارع والأصدقاء والجمعيات ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ومختلف الفضاءات التي يعيش فيها والمدرج واحد من هذه الفضاءات.

يتعلم الشباب داخل جماعات الالتراس مجموعة من المهارات التي قد لا يتعلمونها بالضرورة داخل المدرسة مثل التنظيم والتواصل والتفاوض وتقسيم المهام وإدارة الوقت والتخطيط والتصميم والإنتاج البصري والتعامل مع الجمهور، واستخدام التكنولوجيا. فإعداد عرض جماهيري كبير يحتاج إلى مجموعة من المهارات المتداخلة. هناك من يشتغل في التصميم، ومن يتولى اللوجستيك ومن يهتم بالتواصل ومن ينسق عملية التنفيذ، ومن يتولى الإبداع الموسيقي، ومن يشتغل على المحتوى.ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار الالتراس مختبرا اجتماعيا غير رسمي لتعلم مهارات التنظيم الجماعي.

لا يمكن فهم ظاهرة الالتراس من دون فهم الحاجة الإنسانية إلى الانتماء. الشاب في مرحلة عمرية معينة يبحث عن جماعة يشعر داخلها بأنه مفهوم ومقبول وله دور وقيمة.وفي سياقات اجتماعية تعرف أحيانا هشاشة الروابط الاجتماعية أو ضعف قنوات المشاركة يمكن أن يصبح الانتماء إلى مجموعة من المشجعين وسيلة لتعويض جزء من هذا الفراغ، فالمدرج يمنح الشاب هوية جماعية وشعورا بالحضور.وقد يكون هذا الشعور أكثر أهمية بالنسبة لبعض الشباب الذين يشعرون بأن المؤسسات التقليدية لا تمنحهم دائما المساحة الكافية للتعبير عن أنفسهم.

ومن هنا فإن الالتراس لا ينبغي أن تدرس فقط من خلال سؤال: لماذا يشجع الشباب الفرق؟ بل ينبغي أيضا أن نسأل: لماذا يحتاج هؤلاء الشباب إلى هذه الجماعة؟ ماذا تمنحهم؟ ما الذي يبحثون عنه داخلها؟ وما الذي لا يجدونه في فضاءات أخرى؟

لا يمكن لأي دراسة جادة لظاهرة الالتراس أن تتجاهل الجوانب السلبية التي قد ترتبط ببعض ممارساتها وفي مقدمتها التعصب والعنف اللفظي أو الجسدي والتخريب والصراع بين بعض الجماعات.لكن الإشكال العلمي يكمن في عدم تحويل هذه الجوانب إلى التفسير الوحيد للظاهرة،

فالظواهر الاجتماعية المركبة لا يمكن اختزالها في بعد واحد.قد نجد في الظاهرة نفسها عناصر إبداعية وتنظيمية وثقافية، إلى جانب ممارسات سلبية.

وهنا تصبح مهمة الباحث هي الفهم والتحليل والتفسير وليس التبرير أو الإدانة المسبقة.إن تجاهل البعد الإبداعي للالتراس يؤدي إلى قراءة ناقصة كما أن تجاهل مظاهر العنف يؤدي بدوره إلى قراءة ناقصة والمطلوب هو فهم العلاقة بين الاثنين.

الالتراس ليست منفصلة عن المجال الحضري الذي تنتمي إليه، فالنادي غالبا ما يمثل المدينة أو الحي أو المنطقة ويصبح جزءا من الذاكرة المحلية وتظهر هذه العلاقة في الأغاني والرموز والقصص التي تستحضر تاريخ النادي والمدينة والشخصيات والأحداث المرتبطة بها وهكذا يتحول المدرج إلى فضاء لاستعادة الذاكرة الجماعية والذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع للماضي وإنما وسيلة لبناء الحاضر وتشكيل الهوية.

فالجماعة تقول من خلال رموزها: نحن من هنا، ولدينا تاريخ، ولدينا ذاكرة، ولدينا قصتنا الخاصة وهذا البعد يجعل الالتراس جزءا من الثقافة الحضرية الحديثة.عندما نضع هذه الممارسات في إطار التربية الفنية نجد أنها تتيح للشباب التعامل مع مجموعة متنوعة من الفنون، ففي التيفو نجد الرسم والتصميم وفن الصورة وفي الأغاني نجد الموسيقى والإيقاع والكلمة ،وفي الحركات الجماعية نجد التعبير الجسدي والأداء الجماعي.

وفي إعداد العروض نجد المسرحة والإخراج.وفي صناعة المحتوى الرقمي نجد التصوير والمونتاج والإخراج السمعي البصري. وبذلك تصبح المدرجات فضاء متعدد الفنون. والأهم أن هذه الفنون لا تقدم في شكل دروس نظرية، وإنما تمارس بشكل مباشر، فالشاب لا يتعلم فقط مفهوم الإيقاع، بل يشارك في إنتاجه ولا يتعلم فقط مفهوم التكوين البصري، بل يشارك في صناعة صورة جماعية، ولا يتعلم فقط العمل الجماعي، بل يمارسه فعليا وهذا هو جوهر التربية بالتجربة.

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع المجال الذي تتحرك فيه ثقافة الإلتراس، فالمدرج لم يعد ينتهي عند بوابة الملعب، فالتيفو يصور وينشر والأغنية تسجل وتنتشر والرموز يعاد إنتاجها رقميا والنقاشات تستمر خارج المباراة وبذلك أصبحت الثقافة الرقمية جزءا من صناعة الفرجة كما أن الشباب المشاركين أصبحوا يحتاجون إلى مهارات جديدة في التصوير والتصميم والمونتاج وإدارة الصفحات وصناعة المحتوى وهنا تظهر مرة أخرى الإمكانات التربوية للظاهرة لأن المجال الرقمي يمكن أن يتحول من مجرد أداة للنشر إلى فضاء للتعلم والإبداع. إذا كان المدرج يمتلك كل هذه الطاقة الإبداعية فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نراقب الظاهرة؟، بل يمكن أن نضيف إليه سؤالا آخر:كيف نستثمر طاقتها الإبداعية؟

وهذا لا يعني محاولة تحويل الالتراس إلى مؤسسات رسمية أو إفراغها من طبيعتها المستقلة وإنما يعني الاعتراف بأن الشباب يمتلكون قدرات إبداعية يمكن توجيهها نحو مجالات إيجابية. يمكن مثلا تطوير مبادرات مشتركة في مجالات الفن والثقافة وتنظيم ورشات في التصميم والموسيقى والتصوير والإخراج وإطلاق مشاريع للتربية على نبذ العنف، وتشجيع المبادرات التي تربط الرياضة بالثقافة والمواطنة.كما يمكن تحويل بعض الفضاءات الرياضية إلى مختبرات للفنون الجماهيرية حيث يلتقي الشباب والفنانون والمربون والباحثون. و إذا كان المدرج يعلم الشباب العمل الجماعي والتنظيم والتعبير والانتماء فإنه يمكن أن يكون أيضا مجالا للتربية على المواطنة، فالمواطنة ليست مجرد معرفة الحقوق والواجبات وإنما هي أيضا القدرة على المشاركة، وتحمل المسؤولية واحترام الآخر وإدارة الاختلاف والعمل الجماعي.وهذه كلها قيم يمكن أن تمارس داخل الجماعات الرياضية لكن ذلك يتطلب الانتقال من منطق الصراع الدائم مع الآخر إلى منطق المنافسة الرياضية التي تحترم الاختلاف، فالانتماء إلى فريق لا ينبغي أن يعني كراهية الفريق الآخر والتشجيع لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة والحماس لا ينبغي أن يتحول إلى عنف والاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عداء.وهنا تحديدا يمكن أن تؤدي التربية الثقافية والفنية دورا مهما في تحويل الطاقة الجماهيرية إلى طاقة إبداعية.

تكشف مدرجات الالتراس في المغرب عن ظاهرة اجتماعية وثقافية مركبة لا يمكن اختزالها في التشجيع الرياضي أو في مظاهر العنف التي قد ترافقها. فالمدرج أصبح فضاء لإنتاج الثقافة وصناعة الصورة، وإبداع الموسيقى وإنتاج الرموز وبناء الهوية وتعلم التنظيم والعمل الجماعي.

إننا أمام شكل من أشكال التربية غير الرسمية التي تتم خارج المدرسة ولكنها تعلم الشباب مجموعة من المهارات والقيم من خلال التجربة والممارسة والانتماء الجماعي. وقد تكون القيمة الأكبر لهذه الظاهرة في أنها تكشف عن قدرة الشباب على صناعة ثقافتهم بأنفسهم، وعلى تحويل فضاء عادي إلى فضاء للفرجة والتعبير والإبداع. ومن هنا فإن المطلوب ليس النظر إلى المدرجات فقط باعتبارها مشكلة أمنية ينبغي ضبطهارة ولا باعتبارها فضاء رياضيا محضا وإنما باعتبارها ظاهرة ثقافية تحتاج إلى الفهم والحوار والدراسة، فالمدرج يمكن أن يكون مكانا للصراع لكنه يمكن أيضا أن يكون مكانا للإبداع ويمكن أن ينتج التعصب، لكنه يستطيع أيضا أن ينتج الانتماء ويمكن أن يكون مجالا للعنف لكنه يمتلك كذلك قدرة كبيرة على إنتاج الفن والموسيقى والصورة والعمل الجماعي والتحدي الحقيقي أمام المجتمع والمؤسسات التربوية والثقافية والرياضية هو كيف ننتقل من مجرد التعامل مع هذه الطاقة الشبابية بمنطق المنع والمراقبة إلى التعامل معها بمنطق الفهم والتأطير والاستثمار الثقافي.

إن مدرجات الالتراس في أحد أوجهها تقول لنا شيئا بالغ الأهمية: الشباب لا يفتقرون إلى الطاقة والإبداع وإنما يحتاجون إلى فضاءات يستطيعون داخلها تحويل هذه الطاقة إلى معنى وقيمة وإنتاج. ومن هنا يمكن أن يصبح المدرج إذا توفرت شروط التأطير والحوار والمسؤولية أكثر من مكان للتشجيع؛ يمكن أن يتحول إلى فضاء للتربية الفنية والثقافية وإلى مختبر للمواطنة وإلى مدرسة غير رسمية يتعلم فيها الشباب كيف يصنعون الصورة والصوت والرمز والجماعة، وكيف يحولون الحضور الجماهيري إلى فعل ثقافي واجتماعي وبذلك لا تعود كرة القدم مجرد تسعين دقيقة داخل الملعب ولا يعود المدرج مجرد مكان للجلوس بل يصبح جزءا من الحياة الثقافية للمدينة ومرآة لتحولات الشباب ومجالا مفتوحا لفهم المجتمع المغربي في تحولاته الجديدة.