بحثت في معنى " التزكية" فوجدت أن المعاجم اللغوية و الفقهية تصفها بأجمل للكلمات و أعمق الدلالات. و يتسع المعنى ليربط التزكية " بالتطهير و الإصلاح و الشهادة بالصلاح و العدالة و الإصلاح و الترشيح و الاختيار و النماء و الزيادة " . و لا تغفل المعاجم ما طرأ على التزكية من معان مختلفة، و جلها سلبي، في زمن التغيير الذي أصاب سوق الانتخابات. و هكذا انتقلنا من سمو إلى انحدار كبير. و لنا في الآية 14 من سورة التوبة ذلك المعنى السامي " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها" ، و المقصود تطهير النفوس. و هكذا أصبحت التزكية الإنتخابية هي إختيار مرشح دون منافس له . و غالباً ما يكون هذا " المزكى" ( بضمة على الميم) ذا قدرة على توفير السيولة النقدية الكافية لوضعه على رأس اللوائح لضمان كرسي في المجالس الترابية أو في مجلسي البرلمان.
و تتفاوت معطيات أسواق التزكية حسب الفئات الاجتماعية التي ترتبط بحزب إداري الولادة و النشأة أو من الأحزاب القديمة، و التواقة إلى الكرسي البرلماني أو غيره. و يظل المعطى الثابت أن التزكية بمقابل أصبحت ممارسة تخضع لها الغالبية الكبرى من مرشحي الأحزاب ذات الحضور البرلماني عبر مجموعات أو فرق. و يظل الاستثناء موجودا لدى البعض مع التزام المرشح على أداء جزء من راتبه لحزبه في حالة نجاحه .و أصبحت التدفقات المالية في مجال التقرب من الزعماء كتلك تزيد الاقتراب من شيوخ الزوايا الصوفية. و قد تتقاطع في بعض الحالات المصالح بين الأحزاب و الزوايا.
و يتضح حسب ما يتم تداوله صحافيا و على شبكات التواصل الإجتماعي، أن مبالغ الحصول على تزكية حزب " كبير" قد تتجاوز ثلاثة أو أربعة ملايين درهم. و يزيد المبلغ حسب الحالات، و خصوصاً تلك التي ترتبط بالترحال السياسي. و تصل المبالغ لدى الأحزاب، التي كانت تحمل قيم النضال الديمقراطي من أجل التغيير و الإصلاح ، إلى أقل من هذا المستوى لتتراوح بين 50 و 100 مليون سنتيم. و قد ارتفعت أصوات داخل هذه الأحزاب لتطالب بفتح تحقيق حول " الأسعار" التي تؤهل لاحتلال الصفوف الأولى في اللوائح الوطنية و المحلية.
و إذا كان الإقبال كبيرا على الاستثمارات في سوق التزكيات خلال الانتخابات المقبلة، فإن رقم المعاملات المرتبط بهذا الفرع من الاقتصاد غير المهيكل، و غير الخاضع الضريبة، قد يتجاوز ملياري درهم إذا تجاوز عدد المرشحين رقم 10000 علما أن هذا العدد وصل سنة 2021 إلى 6815 مرشحا. و هنا يطرح سؤال حول الاستعمالات الممكنة لمداخيل هذه السوق. مضى ذلك الزمان الذي كانت الحملات الانتخابية تكلف الأحزاب أداء فواتير النشر و للطباعة و كراء مكبرات الصوت و تغطية مصاريف الملصقات و التنقل لتأطير التجمعات و الفرق الموسيقية. أصبحت التكلفة التي تمتص الجزء الأكبر من المصاريف هي كراء القاعات مجهزة بالكراسي و المنصات و الجمهور و ما تتطلبه المأدبات دجاج و لحم و فواكه و حلويات . و لهذا يصور لنا التلفزيون قاعات ممتلئة عن اخرها بمن تمت دعوته " للزردة الإنتخابية". و لا يمكن أن لا تستفيد بعض القيادات من كعكة التزكية ما دامت السوق الإنتخابية تعتمد بالأساس على السيولة النقدية التي تحمل في اكياس البلاستيك السوداء التي تقي من شرور الشفافية.
و يبقى ضحايا هذه السوق هم المواطنون الذين يثقون بالوعود كل خمس سنوات. و تتمثل الضحية الثانية في الثقة في المؤسسات. أما الضحية الثالثة فهي ذلك الشباب و اؤلاءك المناضلين الذين يتم استثناءهم من المشاركة السياسية عبر ترشيحهم لأنهم فقراء و ذوي دخل محدود. مضى زمن المناضلين الذين كانوا يعطون المثال بتفانيهم و تضحياتهم بوقتهم، و في بعض الأحيان حتى بحريتهم. من يبيع التزكيات لا يجب أن يتكلم على نبل السياسية و دعم مشاركة الشباب ، و تخليق الحياة، و لا على تنزيل" النموذج التنموي الجديد" .






