تقديم
لم يعد الملف التشريعي للمحاماة يُناقش داخل حدوده القانونية والمهنية وحدها، بل انتقل إلى فضاء الرأي العام، حيث تتداخل المعلومة بالانطباع، والنقد المشروع بالتوظيف الإعلامي، والوقائع الفردية بالأحكام العامة على المهنة. وفي هذا الانتقال، كثيرًا ما تُختزل المحاماة، باعتبارها مؤسسة تاريخية وحقوقية وشريكًا في إقامة العدالة، في سلوكات بعض المحامين أو في نزاعات ثنائية بين محامٍ وموكله. ثم تُستثمر هذه الحالات الجزئية في إنتاج صورة نمطية تُقدَّم أحيانًا باعتبارها مسوغًا اجتماعيًا لإعادة ضبط المهنة وإخضاع تنظيمها الذاتي لمزيد من الرقابة.
ولا يتحمل الرأي العام وحده مسؤولية هذا الخلط؛ فهو يتلقى الملف غالبًا من خلال معالجة إعلامية انتقائية تفضّل الوقائع المثيرة والقضايا الشخصية على الأسئلة المؤسسية العميقة. فبدل مساءلة موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وضمانات استقلاله، وصلته بحقوق المتقاضين والمحاكمة العادلة، يجري أحيانًا توجيه النقاش نحو الأتعاب، أو أخطاء بعض الممارسين، أو التنافس على المسؤوليات المهنية. وهكذا تتحول واقعة فردية قابلة للمساءلة وفق قواعدها الخاصة إلى سردية عامة عن المهنة، ويتحول الخلاف مع محامٍ إلى موقف من المحاماة، ثم إلى حجة لتبرير اختيارات تشريعية تتجاوز أصل النزاع وحدوده ؛ ويزداد هذا الالتباس حين يلتقي التوظيف الإعلامي مع مخطط حكومي يفصل العملية التشريعية عن الإصلاح المؤسسي الشامل ؛ فبدل أن يكون قانون المحاماة جزءً من رؤية مترابطة لإصلاح منظومة العدالة، تستحضر دستور 2011، وأدبيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوصيات الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، يبدو التشريع كما لو كان عملية قطاعية مستقلة غايتها إعادة ترتيب المهنة وضبط علاقاتها الداخلية والخارجية ؛ والحال أن إصلاح المحاماة لا يمكن فصله عن إصلاح القضاء، والولوج إلى العدالة، والمساعدة القضائية، وتحديث الإدارة القضائية، وحماية حقوق الدفاع، وضمان استقلال المهن القانونية والقضائية.
فالمحاماة ليست قطاعًا إداريًا معزولًا يمكن إعادة تنظيمه بقرار فوقي، بل وظيفة دستورية وحقوقية تتحدد قيمتها داخل النسق العام للعدالة. ولذلك فإن فصل التشريع عن الإصلاح المؤسسي يؤدي إلى قلب الأولويات: يصبح القانون سابقًا على الرؤية، والضبط بديلًا عن التشخيص، والرقابة تعويضًا عن بناء الثقة، والتنفيذ غاية في ذاته بدل أن يكون أداة لتحقيق إصلاح متكامل.
ومن منظور إبستمولوجيا التشريع، لا يتعلق الخلل فقط بمضمون بعض المواد، بل بالمعرفة التي أُنتج النص انطلاقًا منها: كيف عرّفت الحكومة مشكلة المحاماة؟ ما المعطيات التي اعتمدتها؟ كيف تعاملت مع التراكم الإصلاحي السابق؟ وهل انطلقت من المحاماة باعتبارها ضمانة للحقوق، أم باعتبارها مجالًا يحتاج أساسًا إلى الضبط؟ ومن زاوية سوسيولوجيا المهنة، يطرح السؤال حول كيفية تحويل الاختلافات الداخلية والمنافسات الانتخابية والسلوكات الفردية إلى تمثيل عام للمؤسسة. أما من زاوية سيكولوجيا العلاقة بين الوكيل وموكله، فيتعين التمييز بين التوترات الناشئة عن الثقة والتوقع والنتيجة والأتعاب وبين الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها السياسة التشريعية ؛ مما يعني أن المقالة لا تسعى إلى إنكار الاختلالات الداخلية أو تحصين المحامين من النقد والمساءلة، وإنما إلى إعادة كل واقعة إلى مستواها الصحيح، والتمييز بين المؤسسة والأشخاص، وبين القانون وتطبيقاته، وبين مداولات الهيئات المهنية وبيانات أجهزتها التنفيذية، وبين النزاع التعاقدي الفردي والإصلاح المؤسسي العام. فمن دون هذه التمييزات، يتحول النقاش العمومي من أداة لفهم الإصلاح ومراقبته إلى فضاء لإعادة إنتاج الصور النمطية، وقد يتحول الإعلام، عن قصد أو من دونه، من وسيط للمعرفة إلى جزء من صناعة القبول الاجتماعي بتشريع لم تُستكمل شروطه المؤسسية والتشاركية.
ومن هنا ينطلق هذا المقال في مساءلة التداخل بين إبستمولوجيا تشريع المحاماة، وسوسيولوجيا نزاعاتها، وسيكولوجيا العلاقة بين الوكيل وموكله؛ بحثًا عن الحدود الفاصلة بين إصلاح المؤسسة ومعاقبتها، وبين مساءلة الممارسات الفردية وإدانة المهنة، وبين حماية المتقاضي واستعماله مسوغًا لإضعاف إحدى أهم ضمانات دفاعه.
بأي معرفة شُخّص الوضع؟ ومن أي موقع جرى وصفه؟ وما الذي نحلله تحديدًا :
ليست كل كتابة عن المحاماة معرفةً بها، وليست كل واقعة فردية مدخلًا صالحًا للحكم على المؤسسة. فكثير من الالتباس الذي يحيط اليوم بالنقاش حول قانون المحاماة لا يرجع إلى اختلاف المواقف وحده، بل إلى اضطراب مستويات التحليل: الخلط بين المؤسسة والأشخاص، وبين القرار وتعليله، وبين المداولة والبيان، وبين تاريخ المهنة وبعض سلوكات المنتسبين إليها، ثم بين النقد التشريعي وتصفية نزاع شخصي مع محامٍ بعينه.
لذلك لا يكفي أن نسأل: من أوصل الوضع إلى الباب المسدود؟ بل ينبغي أن نسأل أولًا: بأي معرفة شُخّص الوضع؟ ومن أي موقع جرى وصفه؟ وما الذي نحلله تحديدًا: المحاماة باعتبارها مؤسسة، أم المحامين باعتبارهم أفرادًا، أم القانون باعتباره اختيارًا تشريعيًا، أم العلاقات التعاقدية التي قد تنشأ بين محامٍ وموكله؟.
هذه الأسئلة ليست ترفًا مفاهيميًا؛ لأنها تحدد منذ البداية ما إذا كنا بصدد تحليل مؤسسي، أم انطباع شخصي جرى تعميمه وإلباسه لغة الإصلاح.
المحاماة ليست حاصل جمع سلوكات المحامين :
المحاماة مؤسسة تاريخية وقانونية وحقوقية، تشكلت عبر تراكم من الأعراف والقواعد والأدوار والصراعات من أجل استقلال الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. أما المحامون فهم أفراد ينتمون إلى هذه المؤسسة، وقد تصدر عن بعضهم ممارسات مهنية سليمة أو خاطئة، مثلما قد تنشأ بينهم تنافسات واختلافات ومصالح شخصية ، لكن خطأ المحامي لا يتحول تلقائيًا إلى خاصية ملازمة للمحاماة، كما أن استقامة محامٍ بعينه لا تختزل القيمة المؤسسية للمهنة. والمماثلة هنا واضحة: لا يجوز الخلط بين الملك والمؤسسة الملكية، ولا بين الدولة ورئيسها، ولا بين الوزارة والوزير في شخصه، ولا بين القضاء وسلوك قاضٍ منفرد. فالمؤسسة أوسع من شاغلي مواقعها، وأطول عمرًا من ولاياتهم، وأكثر تركيبًا من خصائصهم النفسية وسلوكاتهم الفردية.
ومع ذلك، لا يعني هذا التمييز تحصين المؤسسة من النقد؛ لأن التراكم المؤسسي نفسه قد ينتج أعرافًا مغلقة، أو آليات لإعادة إنتاج النخب، أو تفاوتًا في الولوج إلى المسؤولية. غير أن نقد هذه الظواهر يجب أن يتم بوصفها أنماطًا مؤسسية قابلة للرصد والإثبات، لا باعتبارها إسقاطًا لخصومة فردية على تاريخ المهنة بأكمله ؛ فالتمييز بين المؤسسة والأشخاص لا يمنع المساءلة، بل يجعلها أكثر دقة وعدلًا.
بين إبستمولوجيا التشريع وتشريع الانطباعات :
تسأل إبستمولوجيا التشريع عن المعرفة التي سبقت وضع القانون: كيف عرّفت الدولة المشكلة؟ ومن أنتج المعطيات التي اعتمدها المشرّع؟ وهل جرى الاستماع إلى الفاعلين المهنيين والمتقاضين والباحثين؟ وهل خضعت الفرضيات التي بُني عليها القانون للفحص والتفنيد؟ ثم كيف تحولت المعرفة المتاحة إلى اختيارات سياسية ومواد قانونية ملزمة؟.
فإذا عرّف المشرّع أزمة المحاماة باعتبارها أزمة انفلات مهني ومصالح شخصية وضعف في الرقابة، فسوف ينتج قانونًا يقوم على الضبط والوصاية وتوسيع التدخل الخارجي. أما إذا عرّفها باعتبارها أزمة استقلال وولوج إلى العدالة وحماية لحقوق الدفاع وتجديد للديمقراطية المهنية، فسوف يتجه إلى قانون يقوم على التوازن والشراكة والمسؤولية والتنظيم الذاتي.
ومن هنا تظهر خطورة الانتقال من واقعة فردية إلى قاعدة عامة. فقد يقع خلاف بين موكل ومحاميه بشأن الأتعاب أو تنفيذ الوكالة أو التواصل أو تسليم وثائق الملف، لكن هذه الواقعة، مهما كانت مشروعيتها، لا تصلح وحدها أساسًا لإعادة هندسة مؤسسة الدفاع. فالتشريع لا يُبنى لمعاقبة مهنة بأكملها بسبب سلوك بعض أعضائها، كما لا يجوز أن يتحول القانون إلى امتداد تشريعي لشكوى شخصية أو نزاع تعاقدي ثنائي.
إن النزاع بين المحامي وموكله له قنواته: العقد، والمؤسسة المهنية، والمساءلة التأديبية، والوساطة، والقضاء عند الاقتضاء. أما إصلاح المحاماة فيحتاج إلى تشخيص أوسع، وبيانات ممثلة، ومقارنة تشريعية، ودراسة للآثار، ووعي بالوظيفة الدستورية للدفاع. ومن أخطر أخطاء التشريع أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والواقعة إلى بنية، والتذمر الشخصي إلى سياسة عمومية.
سوسيولوجيا المحاماة: المؤسسة داخل حقل من التوترات
لا يمكن فهم المحاماة من خلال النصوص القانونية وحدها. فهي حقل اجتماعي ومهني تتقاطع داخله أجيال مختلفة، ومواقع متفاوتة في القوة والموارد، ومصالح انتخابية، وتصورات متعارضة للاستقلال والتنظيم الذاتي والعلاقة بالدولة والسوق.
داخل هذا الحقل نجد المحامي المبتدئ والمحامي المتمرس، والممارس الفردي والشركات المهنية، والمركز والجهات، والنقيب السابق والمرشح للمسؤولية، والمقتنع بالاحتجاج والمتحفظ عليه. وليس كل اختلاف بينها انحرافًا أو مؤامرة؛ فقد يكون تعبيرًا عن مواقع وتجارب ومخاطر متفاوتة.
لكن التحليل السوسيولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي للنخب أو إلى افتراض آلي بأن كل موقف صادر عن مسؤول مهني تحركه الرغبة في الاستمرار. فإثبات أثر المصالح يقتضي إعادة بناء مسار القرار: من اقترح؟ من ناقش؟ من عدّل؟ ما موازين القوة؟ وما البدائل التي كانت مطروحة؟.
إن سوسيولوجيا المهنة تكشف المصالح، لكنها لا تستبدل الدليل بالاشتباه. وهي تدرس كيف تعمل البنيات والتمثلات وشبكات النفوذ، لا كيف نحول الانطباع عن بعض الأشخاص إلى حقيقة نهائية عن الجميع.
المداولة ليست هي القرار، والبيان ليس هو المداولة :
من صور الاضطراب المعرفي كذلك الخلط بين مداولات مجلس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وبين بيان مكتب الجمعية الصادر لتقديم القرار وشرح موجباته ، فالمجلس فضاء للتداول واتخاذ القرار وفق قواعد الاختصاص والتمثيل. وقد تتعدد داخله المواقف والحجج والاقتراحات قبل الوصول إلى الصيغة المعتمدة ، أما المكتب فيضطلع بتنفيذ القرار والتواصل بشأنه، وقد يصوغ بيانًا يشرح خلفياته ومبرراته وبرنامج تنزيله ؛ ولذلك لا يجوز اختزال المداولة في البيان، كما لا يجوز أن ننسب إلى جميع أعضاء المجلس كل عبارة واردة في الصياغة التواصلية للمكتب. وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع البيان كما لو كان نصًا مستقلًا عن القرار الذي يسعى إلى تعليله وتنفيذه ؛ فالقراءة الدقيقة تميز إذن بين أربعة مستويات: ما نوقش داخل المجلس، وما تقرر رسميًا، وكيف علّل المكتب القرار، وكيف جرى تنزيله عمليًا. ومن دون هذا الفصل، قد نناقش تعليلًا كما لو كان قرارًا، أو ننسب إلى المداولات ما أضافه الخطاب التواصلي، أو نحاكم المؤسسة على أساس تسريب مبتور أو تدوينة فردية.
كما أن التعليل اللاحق لا يعوض دائمًا غموض القرار الأصلي ؛ فإذا كان البيان يقدم مبررات لم تُعرض أثناء التداول، أو يوسع نطاق القرار، أو يغيّر دلالته العملية، أصبح من المشروع مساءلة مدى التطابق بين إرادة الهيئة المتداولة والصياغة التي قدمها الجهاز التنفيذي ؛ إن المطلوب ليس الفصل المصطنع بين المجلس والمكتب، بل ضبط العلاقة بين مصدر القرار وسلطة تعليله وتنفيذه ، فالصياغة لغوية وبيداغوجية وتواصلية بنبرة سياسية .
الذاكرة الإصلاحية المغيّبة :
لا يبدأ إصلاح العدالة من فراغ، ولا يجوز أن يتصرف كل فاعل كما لو أنه أول من اكتشف أعطاب المنظومة، فقد راكم المغرب مرجعيات أساسية كان ينبغي أن تشكل ذاكرة حية لأي تشريع يتعلق بالمحاماة والعدالة ؛ فبغض النظر عن كونية المهنة وحضور مندمج للمعايير والأعراف المهنية الدولية المؤطرة بالقانون الدولي لحقوق الإنساني وكذا القانون الدولي الإنساني ؛ فإن هناك أدبيات غلى مر قرن من الزمن ، وخاصة في العهد الجديد ، عهد المفهوم الجديد للسلطة والعدل والأمن ، حيث صدور توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بما حملته من تصور لإصلاح المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ الحكامة الأمنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وهناك دستور 2011 بما أقره من حقوق وحريات وربط للمسؤولية بالمحاسبة، وضمانات للمحاكمة العادلة، ومكانة للسلطة القضائية والديمقراطية التشاركية. وهناك توصيات الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، التي نتجت عن مسار رسمي وتشاوري شاركت فيه مؤسسات ومهن وفعاليات متعددة ؛ ولذلك فإن تجاهل هذا التراكم ليس مجرد نقص توثيقي، بل خلل إبستمولوجي ومؤسساتي ؛ فالدولة التي تنتج تقارير وتوصيات ثم لا تستثمرها في تشريعاتها اللاحقة تفقد جزءً من قدرتها على التعلم. وحين يُفتح ورش جديد دون وصلِه بما سبق، يصبح الإصلاح إعادة متكررة لتعريف المشكلات وفق حاجات اللحظة، بدل أن يكون بناءً تراكميًا يتعلم من الماضي. وإن الأهم أن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة لا تخص الماضي وحده؛ فهي تتضمن منطقًا وقائيًا يرمي إلى إصلاح المؤسسات ومنع إنتاج التعسف بأشكال جديدة ، ولذلك ينبغي قراءة تشريع المحاماة في ضوء ضمانات عدم التكرار: هل يقوي مؤسسات الدفاع باعتبارها حاجزًا ضد الشطط، أم يضعف استقلالها؟ هل يوسع حماية الحقوق، أم يعيد توزيع السلطة داخل العدالة لفائدة أجهزة الضبط والرقابة؟.
سيكولوجيا المحامي: بين الدور المهني والذات الفردية :
المحامي ليس مجرد منفذ تقني للوكالة؛ إنه فاعل يعمل داخل مجال من الضغط والصراع والتوقعات المتناقضة ، حيث يُطلب منه أن يكون مستقلًا، لكنه مرتبط بمصالح موكله. ويُطلب منه أن يكون شجاعًا في الدفاع، لكنه خاضع لقواعد المهنة وآدابها. ويُطلب منه أن ينتمي إلى مؤسسته، دون أن يفقد حقه في نقد قراراتها. فهذه الوضعية قد تنتج توترًا بين الذات المهنية والذات الشخصية. فقد يقرأ المحامي القرار المهني من زاوية أثره في وضعه الاقتصادي، أو موقعه الانتخابي، أو علاقته بالنقيب والمجلس، أو تجربته السابقة مع مؤسسات الدولة ، وهذه العوامل لا تُبطل موقفه تلقائيًا، لكنها تفرض عليه وعيًا نقديًا بموقعه: هل أدافع عن مبدأ عام، أم عن مصلحة خاصة؟ وهل أستطيع تحويل تجربتي الفردية إلى حجة قابلة للنقاش العمومي دون تعميمها؟.
كما أن الاحتجاج المهني يضع المحامي أمام صراع سيمولوجي وأخلاقي بين الانضباط لقرار المؤسسة والوفاء بالتزاماته تجاه موكليه، خصوصًا في الملفات المستعجلة أو الحالات الهشة ؛ ولا يُحل هذا الصراع بالتخوين أو المزايدة، بل بقرارات واضحة ومعللة ومحددة الأمد، تراعي التناسب والاستثناءات، وتوزع كلفة الاحتجاج بعدالة.
سيكولوجيا الموكل بين الثقة والقلق والإسقاط :
أما علاقة الموكل بمحاميه، فهي علاقة تعاقدية، لكنها كذلك علاقة نفسية غير متكافئة ؛ فالموكل يلجأ إلى المحامي غالبًا في لحظة خوف أو تهديد أو نزاع، ويسلمه وثائقه وأسراره وآماله. ، وقد يتوقع منه نتيجة لا يملك ضمانها، أو يخلط بين واجب بذل العناية والالتزام بتحقيق نتيجة ؛ وعندما يأتي الحكم مخالفًا لتوقعاته، قد يتحول الإحباط من النتيجة إلى اتهام للمحامي، ومن الاتهام الفردي إلى حكم على المهنة كلها. وقد يحدث العكس أيضًا: أن يستعمل المحامي معرفته التقنية أو تفوقه المعلوماتي لإضعاف قدرة الموكل على الفهم والمساءلة ؛ ولذلك لا ينبغي إنكار اختلالات العلاقة ولا اتخاذها ذريعة لضرب استقلال المهنة. الحل يكمن في عقد واضح، وشفافية الأتعاب،والتواصل المنتظم، وكذا شرح حدود الوكالة واحتمالات النزاع، وآليات فعالة للوساطة والتظلم والمحاسبة ؛ فحماية الموكل لا تكون بتحويل المحامي إلى تابع للسلطة، كما أن حماية استقلال المحامي لا تكون بإغلاق أبواب مساءلته. وعندما يُقحم شخص نزاعه العقدي مع محاميه في تحليل قانون المهنة، فإن المطلوب ليس إسكات تجربته، بل إعادة وضعها في مستواها الصحيح: هي شهادة جزئية قد تكشف خللًا يحتاج إلى التحقق، لكنها ليست نظرية عامة في المحاماة، ولا سندًا كافيًا لإعادة تشكيل علاقتها بالدولة والعدالة.
من المسؤولية الشخصية إلى المسؤولية المعرفية :
إن أخطر ما يواجه النقاش حول المحاماة هو استعمال الكلمات نفسها للدلالة على موضوعات مختلفة : نقول «المحاماة» بينما نقصد بعض المحامين؛ ونقول «قرار الجمعية» بينما نعني بيان المكتب؛ ونقول «الإصلاح» بينما نقصد الضبط؛ ونقول «حماية المتقاضي» بينما نستحضر نزاعًا شخصيًا؛ ونقول «مصلحة الدولة» بينما نعبر عن موقف وزير أو حكومة في لحظة سياسية محددة.ولذلك تسبق المسؤولية المعرفية توزيع المسؤوليات السياسية والمهنية. فلا يمكن تحديد من أوصل الوضع إلى الباب المسدود قبل تفكيك الطريق الذي أوصلنا إليه: المعرفة التي بُني عليها القانون، والمصالح التي أثرت في صياغته، والمرجعيات الإصلاحية التي جرى تهميشها، وآليات التداول المهني، وطريقة تعليل القرارات، والتجارب الفردية التي تحولت إلى أحكام عامة.
إن الدفاع عن المحاماة لا يعني الدفاع عن أخطاء المحامين، كما أن نقد محامٍ لا يبرر إضعاف المؤسسة ، واحترام المؤسسات المهنية لا يعني تقديس قراراتها، كما أن نقدها لا يبرر هدم أعرافها، وحماية الموكل لا تقتضي إخضاع الدفاع، كما أن استقلال الدفاع لا يلغي حق الموكل في المعرفة والمساءلة وجبر الضرر ، من هنا فالمخرج ليس في البحث عن شخص نضع في ذمته كامل المسؤولية، بل في استرداد شروط المعرفة السليمة: فصل المؤسسة عن شاغليها، والقاعدة عن الاستثناء، والمداولة عن البيان، والقرار عن تعليله، والإصلاح عن تصفية الحساب، والنزاع التعاقدي عن السياسة التشريعية ، وعندها فقط يمكن الانتقال من سؤال الاتهام: «من أوصل الوضع إلى الباب المسدود؟»، إلى سؤال أكثر إنتاجًا: أي خلل في المعرفة والتدبير والتشريع أغلق الأبواب، وكيف يمكن فتحها من جديد دون أن نخسر استقلال المحاماة، وحقوق المتقاضين، وذاكرة الإصلاح، ودولة الحق والقانون؟ .






