فن وإعلام

احتفاء هائل بالثقافة الجزائرية وتثمين مُبهر للفن الشعبي الجزائري في إذاعة طنجة

أحمد الدافري (إعلامي)

وأنا أسوق سيارتي بعد منتصف ليل يوم السبت صبيحة الأحد 30 غشت، صادفت برنامجا في إذاعة طنجة الجهوية عنوانه "للحديث بقية"، تمت فيه استضافة الروائي الجزائري واسيني الأعرج للحديث عن روايته الأخيرة التي عنوانها "الريميتي.. أناشيد الجمر والنار". 

الكاتب الجزائري واسيني الأعرج عمره 72 سنة، يقيم في باريس، وهو حاليا أستاذ زائر في جامعة الجزائر المركزية ويتقاضى أجرا عن ذلك من خزينة بلده، حيث ينتقل من باريس لإعطاء دروس في الأدب السردي بكلية الآداب واللغات بالجزائر العاصمة، ويقوم هناك بتأطير الطلبة ويشرف على أطروحات الدكتوراه.

حوالي ساعة ونصف، وطوال الطريق التي قطعتها من وسط مدينة طنجة إلى مدينة القصر الكبير، كان موعد المغاربة الذين كانوا ينصتون مثلي لحلقة البرنامج الإذاعي، مع احتفاء هائل بالشيخة ريميتي، التي يقال عنها بأنها هي الأم الروحية لفن الراي في الجزائر، والتي قيل عنها في البرنامج بأنها مناضلة جزائرية كانت تبث الحماس بأغانيها في المقاومين لمحاربة الاستعمار الفرنسي في منطقة غليزان، وكانت تشيد ببطولاتهم في تلمسان، من أجل الوطن، حسب ما سمعت في البرنامج.

 بل سمعت أيضا في البرنامج أن الفرنسيين الذين كانت تغني ضدهم عندما كانت الجزائر فرنسية، قاموا بتكريمها سنة 2018، وسموا ساحة في الدائرة 18 الباريسية باسمها، وعند البحث، وجدت أن الخبر صحيح جزئيا وليس كليا، حيث اعتمد مجلس باريس قرارا رسميا ونُشر في الجريدة الرسمية الفرنسية في نوفمبر 2019 وليس في 2018، يقضي بتسمية ساحة في الدائرة 18 من باريس باسم ساحة الشيخة ريميتي (Place Cheikha Remitti)، وقد تم تدشين الساحة في يونيو 2021، لأن الفرنسيين كانوا يحبونها، لأنها هاجرت إلى باريس وعاشت فيها منذ سنة 1978، واحترفت الغناء في بعض المقاهي الباريسية، إلى أن توفيت هناك سنة 2006.

الشيخة ريميتي الجزائرية، التي تم الاحتفاء بها في وسيلة إعلام مغربية رسمية، حسب ما سمعت في البرنامج، وقد تأكدت من ذلك، اسمها الحقيقي هو سعدية باضيف، وقد تم تسميتها "ريميتي" لأنها كانت تغني في الحانات الليلية التي يرتادها الفرنسيون، إذ كانت تجول وتطوف بين مدن الغرب الجزائري، وقد قادتها جولاتها للغناء في حانة كانت تملكها امرأة فرنسية، وكانت تحظى أغانيها بتفاعل من الزبائن داخل تلك الحانة، فكان يتسابق الزبائن على طلب كؤوس النبيذ لها، حيث بعدما كانت تفرغ الكأس في جوفها، تمده فارغا لصاحبة الحانة وتطلب منها أن تزيدها، وكانت تقول لها بالفرنسية "Remettez" (أي أعيدي صب النبيذ في الكأس) أو (زيديني كأس نبيذ)، وكانت تنطق ذلك بقولها "ريميتي" حسب نطقها لكلمة Remettez، فلقبها زبائن الحانة باسم : الشيخة ريميتي. 

سبب إطلاق اسم ريميتي على الشيخة سعدية باضيف لم يتم ذكره في البرنامج الإذاعي المغربي الذي لم يتم فيه الاحتفاء بالشيخة ريميتي وحدها، بل تمت فيه الإشارة أيضا بمنتهى التقدير والإعجاب لمغنين جزائريين آخرين، منهم مطرب وعازف اسمه علا البشاري، ينتمي إلى منطقة بشار، علما أن بشار هي في الأصل منطقة مقتطعة من الصحراء الشرقية المغربية، وفق الوثائق التاريخية، كما تمت الإشارة في البرنامج بكلمات الإعجاب والانبهار إلى مغنين جزائريين منهم رابح درياسة، ودحمان الحراشي، والشيخ المدني، وقد تم خلال البرنامج إدراج أغنية لمغنٍّ جزائري اسمه أحمد خليفي، هي عبارة عن موال تقليدي، وكل هذه الأسماء أصبحت عالقة في ذهني لأنني كنت أستمع بتركيز للبرنامج، وبذاك يكون البرنامج قد أدخل إلى عقلي معلومات عن التراث الفني الجزائري، مع ما صاحب ذلك من ثناء وإشادة وتقدير، إلى حد أن الشيخة ريميتي وُصفت في البرنامج بالفنانة العظيمة، في وقت، إن دخلنا فيه إلى الموقع الرسمي للإذاعة الرسمية الجزائرية، أي الإذاعة الوطنية الجزائرية، وفحصنا ما نشرته عنا في شهر غشت هذا، وكيف احتفت بنا وثمنت ثقافاتنا المغربية، سنجد العناوين التالية :

 - تحقيق إسباني يكشف قصة جواسيس وقراصنة المغرب

- المغرب: عزلة شعبية متصاعدة في ظلّ الإصرار على مواصلة التطبيع

 - المغرب: غضب شعبي إزاء أزمات اقتصادية اجتماعية متراكمة

- المغرب: تحذيرات من التبعات الخطيرة لاستمرار تفشي الفساد. 

نعم. هكذا هم يحتفون بنا. وهكذا نحن نحتفي بهم. 

الله يدير تاويل الخير. 

وهذا ما كان.