سياسة واقتصاد

حين تتحول المناصفة من حق ديمقراطي إلى امتياز يشترى بالمال

عبد العزيز الخبشي

ليس في الكلام الذي صدر عن القيادية الاتحادية والمناضلة الجسورة خدوج السلاسي ما يستحق أن يقرأ باعتباره مجرد احتجاج شخصي على عدم الاستفادة من تزكية انتخابية، أو باعتباره جزءا من صراع عابر حول المواقع والأسماء. أهمية هذا الكلام أنه يضع اليد على سؤال أكبر بكثير من صاحبة التدوينة ومن موقعها داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: ماذا تبقى من فلسفة التمييز الإيجابي والمناصفة حين تصبح القدرة المالية للمرشحة معيارا أساسيا للمفاضلة بينها وبين مناضلات أخريات؟ فالمسألة هنا ليست في أن تكون المرشحة ميسورة أو مستثمرة أو قادرة على تمويل جزء من حملتها، وإنما في أن يتحول المال من وسيلة مرتبطة بتدبير الحملة إلى معيار سابق على الكفاءة والاستحقاق والمسار النضالي والحضور المجتمعي. وقد انتقدت السلاسي صراحة اعتماد القدرة المالية معيارا للمفاضلة بين المرشحات، معتبرة أن ذلك يفرغ التمييز الإيجابي من معناه الذي ناضل من أجله الرجال والنساء داخل الأحزاب وفي المجتمع المدني. 

والمفارقة المؤلمة أن التمييز الإيجابي لم يبتكر أصلا لكي يمنح النساء امتيازا على حساب النساء، ولا لكي يستبدل هيمنة الرجال بهيمنة أصحاب المال، وإنما لكي يصحح اختلالا تاريخيا في المشاركة السياسية. فحين وضعت آليات تشجيع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، كان المقصود هو فتح الأبواب أمام كفاءات نسائية ظلت طويلا خارج مواقع القرار بسبب بنية اجتماعية وحزبية وسياسية لم تكن تمنحها الفرص نفسها التي تمنح للرجال. أما أن يتحول هذا الباب ذاته إلى مدخل لانتقاء من تستطيع دفع كلفة سياسية مرتفعة، فذلك يعني أننا انتقلنا من عائق إلى عائق آخر: من التمييز على أساس الجنس إلى التمييز على أساس الثروة. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: إبعاد المناضلة التي راكمت الشرعية داخل الحزب والمجتمع، لصالح من تمتلك القدرة على الإنفاق. وهنا تحديدا يفقد مبدأ المناصفة روحه الديمقراطية، حتى وإن ظل حاضرا في النصوص والشعارات واللوائح.

وما يجعل القضية أكثر إلحاحا أن ما أثير أخيرا داخل الاتحاد الاشتراكي لم يأت من صوت منفرد. فقد تحدثت مريم جمال الإدريسي عن طلب مرشحات، خلال اجتماع لجنة البت في الترشيحات بجهة الدار البيضاء-سطات، تدوين المبالغ المالية التي يمكنهن المساهمة بها في الحملة، وطالبت بفتح تحقيق داخلي ومحايد بشأن ما اعتبرته شبهة اعتماد المساهمة المالية معيارا للمفاضلة. ثم جاءت منال التقال، وهي عضوة في المكتب السياسي، لتطرح بدورها أسئلة مباشرة حول معايير اختيار المرشحات وموقع الاعتبارات المالية في عملية التزكية، مؤكدة أن المفترض أن تكون الكفاءة والنزاهة والاستحقاق والمسار النضالي والحضور الميداني والإشعاع السياسي والمجتمعي من محددات القرار. وعندما تتعدد الأصوات من داخل التنظيم نفسه، فإن المسألة تتجاوز الانطباع الشخصي لتصبح أزمة ثقة في طريقة صناعة القرار الحزبي.

الأكثر دلالة، في تقديري، هو أن قضية خدوج السلاسي لا يمكن فصلها عن الاستقالة التي أعلنتها رجاء البقالي الطاهري، عضوة المكتب السياسي والقيادية في المنظمة النسائية للحزب، والتي ربطت مغادرتها بمسار الترشيحات وما اعتبرته إقصاء لمناضلات الحزب من التنافس على التزكية وعدم احترام معايير الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص. هنا يصبح المشهد أكثر قسوة سياسيا: امرأة مناضلة تنتقد من داخل المؤسسة، وعضوة في المكتب السياسي تطرح أسئلة حول المعايير، وقيادية أخرى تستقيل احتجاجا على ما تعتبره اختلالا في تدبير التزكيات. وفي المقابل، صادق المكتب السياسي في 22 غشت بالإجماع على قرارات لجان البت في ترشيحات وكيلات اللوائح الجهوية، مؤكدا أن المسطرة التنظيمية والقانونية قد احترمت ولم تكن موضوع طعون. وهنا بالذات لا ينبغي إصدار حكم نهائي في الاتهامات قبل التحقيق، لكن ينبغي أيضا ألا يدفن السؤال السياسي تحت غطاء عبارة «المسطرة احترمت».

لأن احترام المسطرة لا يعني بالضرورة أن المسطرة عادلة، ولا يعني أن المعايير التي أنتجت القرار كانت سليمة سياسيا وأخلاقيا. قد تكون الإجراءات مكتملة من الناحية الشكلية، بينما تكون فلسفة الاختيار نفسها محل اعتراض. الديمقراطية الداخلية لا تختزل في وجود لجنة واجتماع ومحضر وتصويت؛ إنها قبل ذلك وضوح في المعايير، ومساواة في الفرص، وإمكانية التنافس الحقيقي، وعدم تحويل التزكية إلى مكافأة مالية أو إلى امتياز تمنحه دوائر النفوذ. وإذا كانت المرشحة مطالبة عمليا بأن تثبت أولا قدرتها على تمويل الحملة حتى تصبح منافسة جدية، فإن الحزب لا يعود يبحث عن أفضل من تمثل مشروعه السياسي، بل عن أفضل من تستطيع تمويل حضوره الانتخابي. وهذا انقلاب كامل في ترتيب القيم: يصبح المال شرطا للاستحقاق، بدل أن يكون الحزب هو الذي يوفر إطارا سياسيا يتيح للمناضلين والمناضلات التنافس على أساس الكفاءة والالتزام.

وهنا أجد أن عبارة «وشهد شاهد من أهلها» تكتسب دلالتها السياسية، لا لأنها تمنح حكما قضائيا على الواقعة، وإنما لأن صاحبة الموقف ليست خصما خارجيا للحزب ولا مراقبا بعيدا عن الحياة السياسية. إنها امرأة مناضلة تعرف من الداخل معنى التنظيم، وتعرف الفرق بين المنافسة السياسية المشروعة وبين تحويل السياسة إلى سوق للمواقع. ومن يعرف مصداقية هذه المرأة، كما تقول، لا يستطيع أن يتعامل مع كلامها بمنطق المزايدة أو التشكيك الشخصي. النفاق السياسي يبدأ حين نرفض الحقيقة فقط لأنها صدرت عن شخص لا يوافقنا في كل شيء، أما النقد النزيه فيبدأ حين نقيس الفكرة بوجاهتها لا بصاحبها. ولذلك فإن المطلوب ليس الدفاع عن خدوج السلاسي كشخص، وإنما الدفاع عن المبدأ الذي تحدثت باسمه: أن تكون التزكية السياسية امتدادا للجدارة السياسية، لا امتدادا للقدرة المالية.

أما قضية رجاء البقالي، فإنها تزيد الصورة قتامة، لأنها تطرح سؤالا آخر: ماذا يعني أن تغادر عضوة في المكتب السياسي حزبها في لحظة انتخابية حساسة، احتجاجا على طريقة تدبير الترشيحات؟ لقد أعلنت البقالي استقالتها من عضوية المكتب السياسي ومن المنظمة النسائية، وربطت القرار بما اعتبرته إقصاء لمناضلات الحزب من المنافسة على التزكيات. حين تأتي مثل هذه الشهادة من داخل أعلى هيئة قيادية، يصبح من الصعب اختزال الأزمة في «حساسية انتخابية» أو في خيبة أمل شخصية. وحتى لو اختلفنا مع تقديراتها، فإن مجرد وصول الأمور إلى هذا المستوى ينبغي أن يدفع قيادة الحزب إلى مراجعة شفافة وهادئة للمعايير التي اعتمدتها، لا إلى الاكتفاء بإعلان المصادقة بالإجماع. فالإجماع التنظيمي لا يمحو بالضرورة الخلاف السياسي، وقد يكون أحيانا أكثر حاجة إلى تفسير من القرار المختلف عليه نفسه.

والأخطر من ذلك أن تسليع التزكية يضرب الأحزاب في جوهر وجودها. الحزب السياسي ليس شركة لتعبئة الموارد الانتخابية، والمناضلة ليست مستثمرة تبحث عن عائد سياسي لرأسمالها المالي. حين يدخل منطق السوق إلى التزكيات، يصبح السؤال: من يستطيع أن يدفع؟ بدلا من: من يستطيع أن يمثل الناس؟ ومن يملك المال؟ بدلا من: من يملك مشروعا سياسيا؟ ومن يستطيع تمويل الحملة؟ بدلا من: من راكم ثقة المواطنين؟ وفي النهاية نجد أنفسنا أمام انتخابات قد تحقق شكلا من المناصفة العددية، لكنها تفشل في تحقيق جوهر التمثيلية الديمقراطية. فليس كل حضور نسائي في البرلمان انتصارا للنساء، كما أن مجرد وجود امرأة في مقدمة لائحة لا يعني بالضرورة انتصارا للديمقراطية النسائية. الانتصار الحقيقي هو أن تصل المرأة إلى موقع القرار لأنها تستحقه، لا لأنها تملك القدرة على تحمل كلفته المالية.

لهذا فإن المعركة الحقيقية، كما تقول صاحبة التدوينة المناضة خدوج السلاسي، ليست معركة أسماء ولا معركة مواقع ولا حتى معركة حزب ضد امرأة أو امرأة ضد حزب. إنها معركة من أجل تفعيل دستور 2011 في اتجاه البناء الديمقراطي الفعلي، وتنزيل المساواة بين الجنسين والمناصفة على أساس تكافؤ الفرص. والمغرب الذي ناضل من أجله الديمقراطيون والديمقراطيات ليس مغربا تصبح فيه الانتخابات امتيازا للأكثر ثراء، ولا مغربا تستعمل فيه المناصفة لتجميل لوائح أُعدت بمنطق المال والنفوذ. إنه مغرب العدالة الاجتماعية، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كانت الأحزاب لا تستطيع أن تطبق هذه المبادئ داخل مقراتها، فكيف ستقنع المواطن بأن تمنحه غدا ما عجزت عن ممارسته اليوم؟ هذه ليست قضية خدوج السلاسي وحدها، ولا رجاء البقالي وحدها؛ إنها قضية صدقية السياسة نفسها. ولذلك فإن أقل ما يمكن فعله هو فتح نقاش صريح وشفاف حول معايير التزكية، لأن الديمقراطية التي لا تبدأ من داخل الحزب ستظل مجرد خطاب انتخابي جميل، بينما تتحول الممارسة في الكواليس إلى شيء آخر تماما.