تكمن أهمية الموضوع أيضاً في الانتقال من السؤال التقليدي: كم طالباً تستطيع الجامعة أن تستقبل؟ إلى أسئلة أكثر عمقاً: هل تستطيع الجامعة أن تكوّن كل من تستقبلهم؟ هل الاستقطاب المفتوح ما يزال يؤدي وظيفة العدالة الاجتماعية أم تحول في بعض الحالات إلى آلية لتأجيل البطالة؟ هل المشكلة في عدد الطلبة، أم في هندسة العرض الجامعي؟ لماذا ظلت الإصلاحات المتعاقبة تعالج النتائج أكثر مما تعالج بنية المشكلة؟ هل يمكن استمرار نموذج الولوج المفتوح بصيغته الحالية مع المحافظة على جودة التكوين؟ وهل الحل هو تقليص الاستقطاب، أم إعادة بناء مؤسسات الاستقطاب المفتوح نفسها؟
إن المعضلة في جوهرها تكمن في أن المشكل ليس كون الجامعة المغربية فتحت أبوابها أمام أعداد كبيرة من حاملي البكالوريا؛ فهذا في حد ذاته مكسب ديمقراطي واجتماعي. بل المعضلة هي أن توسيع الولوج لم يواكبه دائماً توسع مماثل في القدرة على الاستقبال والتأطير والتكوين والتوجيه والتقييم. وهنا تبدو المفارقة، وهي أن ديمقراطية الولوج مع محدودية الطاقة الاستيعابية تؤدي إلى الاكتظاظ. والاكتظاظ مع ضعف التأطير يؤدي إلى تراجع جودة التعلم. وتراجع الجودة مع ضعف التوجيه يؤدي إلى ارتفاع التعثر والهدر. كما أن الهدر الجامعي مع ضعف ملاءمة بعض التكوينات لسوق الشغل يؤدي إلى أزمة إدماج وبطالة. بما يعني أن مؤسسة الاستقطاب المفتوح قد تتحول، إذا لم تُدعّم بسياسات موازية، من أداة للارتقاء الاجتماعي إلى فضاء لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
لذلك، لماذا فشلت الإصلاحات في إنهاء المشكلة؟ والجواب: لأن الإصلاح الجامعي المغربي غالباً ما تعامل مع المشكلة باعتبارها مشكلة تدبيرية، بينما هي في العمق مشكلة نموذج جامعي. فإضافة مدرجات جديدة، وتوسيع الطاقة الاستيعابية، وإحداث مسالك جديدة، ورقمنة التسجيل، وإعادة تنظيم الوحدات، كلها إجراءات ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال المركزي: ما الوظيفة التي نريدها من مؤسسة الاستقطاب المفتوح في الجامعة المغربية في القرن الحادي والعشرين؟ هل هي جامعة جماهيرية للتكوين الأساسي؟ أم جامعة للبحث والتكوين؟ أم مؤسسة للانتقال من التعليم الثانوي إلى سوق الشغل؟ أم فضاء للارتقاء الاجتماعي؟ أم كل ذلك في الوقت نفسه؟
والمفارقة الكبرى أنه أصبح لدينا في المغرب نوع من الازدواجية داخل الجامعة:
مؤسسات ذات استقطاب محدود، تنتقي الطلبة مسبقاً، وتشتغل في ظروف أكثر ملاءمة نسبياً؛
مؤسسات ذات استقطاب مفتوح، تتحمل الجزء الأكبر من الطلب الاجتماعي على التعليم العالي.
فهل من العدل أن يحصل بعض الطلبة على تعليم انتقائي عالي التأطير، بينما يجد آخرون أنفسهم في مؤسسات جماهيرية تعاني من الضغط؟ لذلك، فإن القضية لا ينبغي اختزالها في "إصلاح الكليات ذات الاستقطاب المفتوح"، بل ينبغي أن تصبح جزءاً من إعادة هندسة منظومة التعليم العالي المغربي بأكملها. فالإصلاح المطلوب هو: من إدارة الاكتظاظ إلى هندسة المسار الجامعي، لأن الإصلاح الحقيقي، في تقديرنا، ينبغي أن يقوم على ستة تحولات أساسية:
1 - من الولوج المفتوح المطلق إلى الولوج المفتوح الموجّه، أي ضمان الحق في التعليم العالي، مع توجيه فعلي يأخذ بعين الاعتبار القدرات والميولات وحاجات الاقتصاد والمجتمع.
2 - من منطق عدد المسجلين إلى منطق عدد الناجحين والخريجين، فنجاح الجامعة لا يقاس بعدد الطلبة الذين تستقبلهم، وإنما بعدد الذين تستطيع تكوينهم وتخريجهم بكفاءة.
3 - إعادة بناء التأطير البيداغوجي، لأن مشكلة الأستاذ والموارد البشرية لا يمكن حلها بالحلول الرقمية وحدها.
4 - إعادة النظر في الخريطة الجامعية، لأن وجود مؤسسة جامعية لا يعني بالضرورة وجود عرض تكويني متوازن وذي جودة.
5 - ربط التكوين بالإدماج دون اختزال الجامعة في سوق الشغل، لأن الجامعة ليست فقط مدرسة مهنية، لكنها لا يمكن أن تتجاهل المصير المهني لخريجيها.
6 - اعتماد مؤشرات جديدة لتقييم مؤسسات الاستقطاب المفتوح، مثل: نسبة النجاح، مدة الحصول على الشهادة، نسبة الانقطاع، عدد الطلبة لكل أستاذ، حجم التأطير، جودة الخدمات، نسبة الإدماج المهني، والرضا الطلابي.
إن المشكلة إذن ليست في "الاستقطاب المفتوح" في حد ذاته، وإنما في استمرار العمل به داخل نموذج جامعي لم يُعاد تصميمه بما يتلاءم مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. ولهذا فإن الاستفهام الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح في أفق إصلاح الجامعة المغربية لما بعد 2026 هو: كيف نحول مؤسسات الاستقطاب المفتوح من مؤسسات لاستيعاب الكتلة الطلابية إلى مؤسسات للنجاح الجامعي والتميز والتكوين المواطن والإدماج المهني؟
إن من الكلام الشائع أن الاستقطاب المفتوح مقرون بالهدر الجامعي والتعثر والانقطاع. وإذا كان الاكتظاظ هو الوجه الأكثر ظهوراً لأزمة مؤسسات الاستقطاب المفتوح، فإن الهدر الجامعي هو الوجه الأكثر كلفة؛ لأنه يحول جزءاً من الاستثمار العمومي في التعليم العالي إلى مسارات دراسية لا تنتهي دائماً بشهادة، ويحوّل سنوات من حياة الطالب إلى انتظار وإعادة وتردد وإعادة توجيه متأخرة. وهذه ليست فرضية نظرية. فالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أنجز منذ 2018 تقييماً خاصاً بالتعليم العالي الجامعي ذي الولوج المفتوح، تناول فيه تحديداً المردودية الداخلية، ونظام "إجازة-ماستر-دكتوراه"، والحكامة، والموارد البشرية، والدعم الاجتماعي، والتكلفة المالية للدولة. وهذا يعني أن المشكلة عُرفت مؤسساتياً منذ سنوات، ولم تعد مجرد انطباعات متداولة داخل الجامعة.
والأكثر دلالة اليوم أن المجلس نفسه، في رأيه الصادر في يونيو 2026 حول مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية، ناقش صراحة الانتقال التدريجي من الولوج المفتوح إلى الولوج المحدود، لكنه حذر في الوقت نفسه من تكريس صورة سلبية عن مؤسسات الولوج المفتوح، مؤكداً أنها تسهم في تكوين النخبة الفكرية والعلمية للبلاد. لذلك وجب التمييز بين:
1-الهدر الجامعي ليس رقماً واحداً، فمن الضروري التمييز بين أربعة مفاهيم كثيراً ما تختلط في النقاش العام:
التعثر: حيث الطالب لا يحقق النتائج المنتظرة في الوقت العادي.
التكرار: حيث يعيد الطالب سنة أو وحدات دراسية.
التأخر: حيث يحصل على الشهادة، ولكن بعد مدة أطول بكثير من المدة النظرية.
الانقطاع: حيث يغادر الجامعة دون الحصول على الشهادة.
إن هذه الظواهر مترابطة، لكنها ليست الشيء نفسه.
فقد يكون الطالب متعثراً في السنة الأولى ثم ينجح لاحقاً، بينما قد يتحول التكرار المتكرر إلى انقطاع نهائي.
لذلك فإن المؤشر الأكثر أهمية ليس فقط: كم طالباً رسب؟ بل: كم طالباً دخل الجامعة، وما المسار الذي قطعه، وكم استغرق، وما النتيجة النهائية؟
2-السنة الأولى: لحظة الفرز الكبرى، وهي تمثل في مؤسسات الاستقطاب المفتوح لحظة حاسمة. فالطالب ينتقل من نظام مدرسي يقوم على التأطير اليومي النسبي إلى فضاء جامعي يفترض قدراً أكبر من الاستقلالية. وفي الجامعة ذات الأعداد الكبيرة، قد يواجه الطالب الجديد في وقت واحد:
مدرجاً ضخماً؛
أستاذاً لا يعرفه شخصياً؛
موارد تعليمية غير متكافئة؛
نظاماً جديداً للتقييم؛
لغة أو لغات تدريس مختلفة؛
غياب التوجيه الفردي؛
صعوبة في تدبير الوقت؛
ومسافة نفسية واجتماعية كبيرة بينه وبين المؤسسة.
لذلك فإن الانتقال من المدرسة إلى الجامعة ليس انتقالاً إدارياً، وإنما انتقال معرفي ونفسي وبيداغوجي. فالجامعة التي لا تدير هذا الانتقال تترك جزءاً من الطلبة أمام احتمال التعثر منذ البداية.
3-حين يصبح الرسوب «آلية فرز»، ففي بعض أنظمة الولوج المفتوح، قد يتحول الامتحان، من وسيلة لقياس التعلم، إلى وسيلة غير مباشرة لضبط أعداد الطلبة. أي أن المؤسسة لا تقول رسمياً: "لا نستطيع استيعاب هذا العدد". لكن الواقع قد ينتج: عدداً كبيراً من الراسبين، ثم عدداً أقل من المستمرين. وهنا يصبح الرسوب جزءاً من آلية الفرز. وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً وبيداغوجياً: هل وظيفة الامتحان أن يقيس ما تعلمه الطالب، أم أن يعالج اختلالات النظام؟ والجواب يفترض أن يكون واضحاً:
الامتحان أداة للتقويم، وليس أداة لإدارة الاكتظاظ.
4-تكلفة الطالب الذي لا يتخرج، إن الهدر الجامعي له ثلاثة أنواع من الكلفة:
أولاً: كلفة عمومية، فالدولة تمول:
الأستاذ؛
الإدارة؛
المدرجات؛
المختبرات؛
المكتبات؛
المنصات الرقمية؛
المنح والخدمات الاجتماعية؛
الطاقة والماء والصيانة.
وعندما يكرر الطالب سنوات إضافية دون تقدم فعلي، ترتفع الكلفة الإجمالية لمساره.
ثانياً: كلفة اجتماعية، فالأسرة تستثمر سنوات من:
الوقت؛
النقل؛
السكن؛
الكتب؛
المصاريف اليومية.
وقد ينتظر الطالب سنوات قبل أن يكتشف أن المسار الذي اختاره لم يكن مناسباً له.
ثالثاً: كلفة فردية، وهي الأخطر. فالطالب الذي يغادر الجامعة بعد سنوات دون شهادة قد يجد نفسه:
أكبر سناً من خريجي دفعته،
وأقل خبرة مهنية،
ومن دون المؤهل الذي دخل الجامعة من أجله.
وهكذا يتحول الفشل الدراسي إلى مشكلة اندماج اجتماعي واقتصادي.
5-هل الجامعة مسؤولة عن كل حالات الانقطاع؟ إن الانقطاع ينتج عن تفاعل عوامل متعددة: عوامل فردية، واجتماعية، واقتصادية، وبيداغوجية، ومؤسساتية، وجغرافية.
لكن الاعتراف بتعدد الأسباب لا يعني إعفاء الجامعة من مسؤوليتها. فالجامعة لا تستطيع التحكم في الوضع الاقتصادي للأسرة، لكنها تستطيع أن توفر:
التوجيه؛
الدعم الأكاديمي؛
المواكبة النفسية والاجتماعية؛
المنح والخدمات؛
إعادة التوجيه؛
التعليم المرن؛
مسارات بديلة؛
وآليات إنذار مبكر.
6-الدعم الاجتماعي ليس سياسة هامشية، إن من الأخطاء الشائعة النظر إلى المنحة أو السكن أو المطعم الجامعي باعتبارها مجرد خدمات اجتماعية منفصلة عن الجودة الأكاديمية. ففي واقع الأمر، الدعم الاجتماعي جزء من سياسة محاربة الهدر. فالطالب الذي يضطر إلى التنقل لمسافات طويلة، أو لا يجد سكناً مناسباً، أو يعاني من صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية، لا يدخل إلى المدرج بالشروط نفسها التي يدخل بها طالب مستقر اجتماعياً. ولذلك تناول تقييم المجلس الأعلى للتعليم، ضمن تحليله للنظام ذي الولوج المفتوح، الدعم الاجتماعي باعتباره أحد مكونات تقييم فعالية المنظومة، إلى جانب الموارد البشرية والحكامة والنظام البيداغوجي.
7-إشكالية «الزمن الجامعي الضائع»، فالطالب الذي يبقى في الجامعة، لكنه لا يتقدم، ليس منقطعاً رسمياً، وليس ناجحاً فعلياً. إنه موجود في النظام، لكنه لا ينتقل من مستوى إلى آخر بالسرعة الطبيعية. فهذا الطالب يمثل تحدياً مزدوجاً:
مؤسساتياً: لأنه يشغل موارد ومقاعد وخدمات.
إنسانياً: لأنه يعيش سنوات من عدم اليقين.
ومن هنا ينبغي أن يصبح متوسط الزمن الحقيقي للحصول على الإجازة مؤشراً وطنياً أساسياً.
فالمدة النظرية للتكوين لا تكفي، وبالتالي، كم سنة يحتاج الطالب المغربي فعلياً للحصول على الإجازة؟
8-من «إعادة التوجيه» إلى «التوجيه المبكر»، إن إحدى مشكلات النظام أن إعادة التوجيه قد تأتي متأخرة. فقد يقضي الطالب سنة أو سنتين أو أكثر في تخصص لا يناسبه، ثم يبدأ التفكير في تغيير المسار. والحل ينبغي أن يبدأ قبل التسجيل الجامعي أو مباشرة بعده. لذلك نحتاج إلى توجيه جامعي حقيقي قائم على البيانات، بحيث يستفيد الطالب من:
اختبار ميول وقدرات؛
تقييم للمكتسبات؛
معلومات دقيقة عن طبيعة التخصص؛
مؤشرات النجاح في المسار؛
آفاق المهن؛
المهارات المطلوبة؛
وإمكانية الانتقال إلى مسارات أخرى.
وهذا ينسجم مع الاتجاه الذي يؤكد عليه المجلس الأعلى في رؤيته الأخيرة، حيث أصبحت مركزية الطالب، والحركية السلسة، والنموذج البيداغوجي عناصر أساسية في تصور إصلاح التعليم العالي.
9-هل الحل هو إغلاق الولوج المفتوح؟ إن الأمر هنا يتعلق بمستقبل الجامعة المغربية. ففي يونيو 2026، ناقش المجلس الأعلى مشروع مراجعة الخريطة الجامعية العمومية، بما في ذلك الانتقال التدريجي من الولوج المفتوح إلى الولوج المحدود في بعض المسالك. لكنه في الوقت نفسه شدد على ضرورة عدم إضعاف صورة مسالك الولوج المفتوح، وتنويع العرض بما يسمح لكل طالب بمتابعة التكوين الملائم لقدراته واختياراته.
فإذا انتقل المغرب ببساطة من:
استقطاب مفتوح إلى
استقطاب محدود،
فإنه قد يحل مشكلة الاكتظاظ في بعض المؤسسات، لكنه قد يخلق مشكلة أكبر، وهي: ماذا سنفعل بالطلبة الذين لم يتم قبولهم؟ هل سيتوجهون إلى التعليم الخاص؟ التكوين المهني؟ مؤسسات أخرى؟
البطالة؟ الهجرة؟ أو مسارات غير واضحة؟
إذن، تحديد الولوج لا يكون إصلاحاً في حد ذاته، إنه مجرد أداة ضمن إصلاح أكبر.
الحل ليس في «الانتقاء» بل في «تنويع المسارات»، فالمغرب يحتاج إلى منظومة تجعل الطالب أمام خيارات متعددة بعد البكالوريا، وليس خيارين فقط: كلية مفتوحة أو مؤسسة انتقائية. بل ينبغي بناء منظومة متدرجة: مسار أكاديمي، مسار مهني، مسار تقني، مسار تكوين قصير، مسار إعادة تأهيل، ومسار تعلم مدى الحياة، مع إمكانية الانتقال بينها. وهذا هو معنى الحركية الجامعية التي ينبغي أن تتحول من شعار إلى آلية فعلية.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الخريطة الجامعية، وهنا تظهر أهمية المستجد المؤسساتي لسنة 2026.
فالمجلس الأعلى أصدر في 15 يونيو 2026 رأياً حول مشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية: المرتكزات والرؤية ومنهجية التنزيل. وهذا يعني أن النقاش لم يعد محصوراً في إصلاح المسالك، بل وصل إلى مستوى إعادة التفكير في توزيع المؤسسات والوظائف الجامعية على المجال الوطني والجهوي. لأن مشكلة الاستقطاب المفتوح ترتبط أيضاً بالسؤال الجغرافي: أين توجد الجامعة؟ ومن تستقبل؟ ومن تخدم؟ وما حجم الحوض الطلابي الذي تغطيه؟
فالجامعة الجهوية الحديثة ينبغي ألا تكون مجرد بناية جامعية في مدينة، وإنما قطباً معرفياً جهوياً يرتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجهة.
من الجامعة الجماهيرية إلى الجامعة الجهوية الذكية، إنه بالإمكان أن يكون النموذج المستقبلي:
جامعة جهوية، تضم:
مؤسسات ذات ولوج مفتوح؛
مؤسسات ذات ولوج محدود؛
تكوينات مهنية؛
مختبرات بحث؛
حاضنات؛
مراكز للغات؛
مراكز للرقمنة؛
خدمات للتوجيه؛
جسوراً بين المسارات؛
وشراكات مع الاقتصاد الجهوي.
وبذلك لا يعود الطالب أسيراً لمسلك واحد. فإذا تعثر في مسار، يستطيع الانتقال إلى آخر. وإذا اكتشف ميلاً مهنياً، يجد مساراً مهنياً. وإذا أظهر تفوقاً أكاديمياً، يستطيع الانتقال إلى مسار أكثر انتقائية. وهذه هي فلسفة الجامعة المرنة.
أطروحة جديدة: الاستقطاب المفتوح يحتاج إلى إصلاح لا إلى إدانة، إن من الخطأ السياسي والأكاديمي أن يتحول النقاش إلى إدانة لمؤسسات الولوج المفتوح.
فالمجلس الأعلى نفسه حذر في رأيه لسنة 2026 من الصورة السلبية التي ترسخت حول هذه المؤسسات، مؤكداً أنها ساهمت وتساهم في تكوين النخب الفكرية والعلمية المغربية. فإذن، المشكل ليس في المؤسسة، بل في الشروط التي تعمل فيها المؤسسة. فكلية القانون أو الآداب أو العلوم يمكن أن تكون مؤسسة جماهيرية وذات جودة في الوقت نفسه، إذا توفرت لها: موارد، تأطير، توجيه، بنية، نموذج بيداغوجي، تقييم، وحكامة.
نحو عقد جامعي جديد، إن الإصلاح المقبل يجب أن يبنى على عقد جامعي جديد بين الدولة والجامعة والطالب. فالدولة تتعهد بـ:
تمويل مناسب؛
موارد بشرية؛
بنية تحتية؛
دعم اجتماعي؛
عدالة مجالية.
والجامعة تتعهد بـ:
جودة التكوين؛
التوجيه؛
المواكبة؛
الشفافية في النتائج؛
تقييم الأداء.
والطالب يتعهد بـ:
الحضور؛
العمل؛
احترام النظام؛
الاستفادة من فرص الدعم؛
وتحمل مسؤولية اختياراته.
وهكذا ننتقل من مفهوم: الجامعة التي تمنح مقعداً إلى الجامعة التي تمنح مساراً.
15- الاستقطاب المفتوح في أفق 2026–2030؟ هل نحن أمام نهاية النموذج أم أمام إعادة بنائه؟
تكتسب مسألة مؤسسات الاستقطاب المفتوح راهنية جديدة في سنة 2026، لأن النقاش لم يعد يدور فقط حول الاكتظاظ والهدر والتأطير، بل أصبح مرتبطاً بإعادة النظر في الخريطة الجامعية العمومية نفسها. واللافت أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لا يقترح ببساطة العودة إلى جامعة انتقائية، بل يطرح معادلة أكثر تعقيداً: الحفاظ على مكتسبات الدمقرطة الكمية والانتشار الترابي، مع تحقيق دمقرطة كيفية تجعل الجودة مرجعاً مشتركاً بين مؤسسات الولوج المفتوح والمحدود.
كما سبق للمجلس أن أشار إلى معدل تأطير بلغ 103 طلاب لكل أستاذ في الكليات ذات الاستقطاب المفتوح، وهو رقم يكشف حجم الضغط الذي يواجهه هذا النموذج. فهل يتجه المغرب إلى إلغاء الاستقطاب المفتوح، أم إلى إعادة تعريفه؟ والأرجح أن الخيار الثاني هو الأكثر انسجاماً مع متطلبات العدالة الاجتماعية والتحول الجامعي.
أولاً: إن نهاية «الاستقطاب المفتوح التقليدي» لا تعني نهاية الولوج المفتوح، ففي هذا المقام، ينبغي التمييز بين أمرين: الولوج المفتوح كحق اجتماعي، والاستقطاب المفتوح كنموذج مؤسساتي وبيداغوجي. فالأول ينبغي الحفاظ عليه وتطويره. أما الثاني فيحتاج إلى مراجعة عميقة. فليس من الضروري أن يعني حق الطالب في التعليم العالي حقه في الالتحاق بأي مسلك جامعي دون توجيه أو شروط بيداغوجية أو مراعاة للطاقة الاستيعابية. ومن هنا يمكن الانتقال من: الولوج المفتوح غير الموجه إلى الولوج المفتوح المنظم والمواكب.
ثانياً: الخطر في الإصلاح ليس في الانتقاء وإنما في الانتقاء الاجتماعي، فإذا أصبح الولوج إلى مؤسسات الجودة مرتبطاً فقط بانتقاء صارم، فقد نجد أنفسنا أمام جامعة ذات مستويين: الأول، مؤسسات محدودة الولوج، ذات موارد أكبر، وأعداد أقل، وظروف تكوين أفضل. والثاني: مؤسسات مفتوحة، تستقبل الجزء الأكبر من الطلبة، ولكنها تتحمل ضغطاً أكبر وموارد أقل نسبياً. وهذا ما ينبغي تجنبه.
لذلك فإن المجلس الأعلى نفسه حذر من تكريس ثنائية اجتماعية وثقافية بين الولوج المفتوح والمحدود، ويؤكد أن الجودة ينبغي ألا تكون حكراً على بعض المؤسسات الجامعية. وهذه ربما هي أهم قاعدة ينبغي أن تحكم إصلاح 2026–2030: فلا يجوز أن يتحول الانتقاء إلى آلية لإنتاج جامعة للنخبة وجامعة للجماهير.
ثالثاً: ماذا نفعل بكليات الحقوق والآداب والعلوم؟
إن هذه المؤسسات يجب أن تكون في قلب أي إصلاح للخريطة الجامعية. ولذلك فإن الحل لا ينبغي أن يكون إغلاق بعض المسالك أو الحد من أعداد الطلبة بطريقة إدارية فقط.
إن كليات الحقوق ينبغي إعادة بناء عروضها حول: القانون الرقمي؛ الذكاء الاصطناعي والقانون؛ الحكامة؛ السياسات العمومية؛ القانون الاقتصادي؛ التجارة الدولية؛ القانون البيئي؛ حقوق الإنسان؛ الإدارة العمومية؛ والوساطة والتحكيم. وبذلك يصبح الطالب في الحقوق لا يكتفي بحفظ النصوص، بل يكتسب كفاءات قانونية ومهنية وتحليلية.
أما كليات الآداب والعلوم الإنسانية، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤسسات تعاني من فائض في الطلبة فقط، وإنما مؤسسات استراتيجية لإنتاج: المؤرخين؛ علماء الاجتماع؛ الفلاسفة؛ اللغويين؛ المختصين في الإعلام؛ الباحثين في الثقافة والتراث؛ والخبراء في تحليل المجتمع والسياسات العمومية. وقد شدد رئيس المجلس الأعلى، في حديثه عن الجامعة المغربية، على أن العلوم الإنسانية والاجتماعية مطالبة بالحفاظ على دورها المعرفي وتنوير السياسات العمومية، لا أن تُختزل قيمتها في معيار الإدماج المهني المباشر.
إن كليات العلوم ينبغي أن ترتبط أكثر بـ: المختبر، الصناعة، الابتكار، الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر. لأن تخريج طالب علوم دون مختبرات وتجارب وتكوين تطبيقي هو أحد أشكال اختزال التعليم العلمي في المعرفة النظرية.
رابعاً: النموذج المقترح: الاستقطاب المفتوح الموجّه، إنه بإمكان المغرب أن يبني نموذجاً وسطاً بين الانفتاح والانتقاء: "نموذج الاستقطاب المفتوح الموجّه"، ويقوم على خمس حلقات.
الأولى: الحق في الولوج، بحيث يظل الحاصل على البكالوريا مؤهلاً لمتابعة التعليم العالي العمومي وفق قواعد واضحة وعادلة.
الثانية: التوجيه، بحيث لا يدخل الطالب إلى الجامعة دون معرفة دقيقة بمساره المحتمل.
الثالثة: التشخيص، بحيث يخضع الطالب في بداية المسار لتقييم لمكتسباته في: اللغات؛ الرياضيات عند الحاجة؛ المنهجية؛ المهارات الرقمية؛ المعرفة الأساسية بالتخصص... إلخ.
الرابعة: المواكبة، بحيث من تظهر لديه صعوبات يحصل على دعم مبكر.
الخامسة: الحركية، بحيث إذا لم يكن المسار مناسباً له، يستطيع الانتقال إلى مسار آخر دون خسارة سنوات طويلة.
وهذه هي النقلة التي تحتاجها الجامعة المغربية:
من نظام يسجل الطالب إلى نظام يدير مساره.
خامساً: سنة تأسيسية لمؤسسات الاستقطاب المفتوح؟
قد يكون من المفيد التفكير في نموذج السنة الجامعية التأسيسية، خصوصاً في المسالك التي تعرف ضغطاً كبيراً. إلا أنها يجب ألا تكون سنة رسوب مقنعة. بل سنة:
تأهيل، توجيه، اكتساب المهارات، اكتشاف القدرات.
وفي نهايتها لا يكون السؤال: «هل نجح الطالب أم فشل؟» بل «ما المسار الأنسب لهذا الطالب؟». وهنا يمكن أن تتعدد الخيارات:
مسار أكاديمي،
أو مسار مهني،
أو مسار تقني،
أو إعادة توجيه.
سادساً: الجامعة الرقمية كحل للاكتظاظ؟ تعتبر الرقمنة من الأهمية بما كان، لكنها ليست عصا سحرية، إذ يمكن للمنصات الرقمية أن تساعد في:
توفير المحتوى؛
تسجيل المحاضرات؛
الاختبارات التكوينية؛
تتبع الحضور؛
الدعم الفردي؛
تحليل النتائج.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تعوض:
الأستاذ،
المختبر،
النقاش،
التفاعل،
والتوجيه.
لذلك يجب الحذر من الخطاب الذي يوحي بأن الرقمنة يمكن أن تحل مشكلة 100 طالب أو 200 طالب لكل أستاذ. لأن الرقمنة ينبغي أن تكون: مدعماً لقدرة الجامعة، لا بديلاً عن الجامعة.
سابعاً: الأستاذ هو المتغير الحاسم، فلا يمكن إصلاح الاستقطاب المفتوح دون إعادة النظر في سياسة الموارد البشرية. فإذا كان المجلس الأعلى نفسه يشير إلى معدل يصل إلى 103 طلاب لكل أستاذ في الكليات ذات الاستقطاب المفتوح، فإن أي إصلاح لا يعالج هذا المؤشر سيظل جزئياً. فالسؤال ليس «كم أستاذاً نحتاج؟» بل «كم أستاذاً نحتاج لكل مسلك ولكل مستوى ولكل نوع من التكوين؟»، فالعدد المطلوب في شعبة التاريخ ليس بالضرورة هو العدد المطلوب في الكيمياء. والحاجة في المحاضرة ليست الحاجة نفسها في المختبر أو الورشة أو حلقة البحث.
ثامناً: لا إصلاح دون إعادة الاعتبار للتقييم، إن من أخطر اختلالات الجامعة أن الإصلاحات قد تبدأ ببرامج وتنتهي ببرامج، دون وجود تقييم دوري وصارم، بل ينبغي أن تصبح كل مؤسسة مطالبة سنوياً بنشر مؤشرات أساسية:
عدد المسجلين، عدد الناجحين، عدد المنقطعين، متوسط مدة الدراسة، عدد الطلبة لكل أستاذ، نسبة التأطير، نسبة الإدماج، رضا الطلبة، وجودة البحث العلمي.
ثم تتم مقارنة المؤسسة بنفسها وبالمؤسسات المماثلة. أي: تمويل مقابل الأداء، وليس تمويل مقابل العدد فقط. مع ضرورة الحذر من تحويل المؤشرات إلى آلية لمعاقبة المؤسسات التي تستقبل الفئات الأكثر هشاشة.
تاسعاً: التمويل ينبغي أن يتبع الحاجة لا العدد فقط، فإذا حصلت مؤسسة على تمويل بناءً على عدد الطلبة فقط، فإن النظام قد يشجع بصورة غير مباشرة على التوسع الكمي، والأفضل اعتماد معادلة أكثر تركيباً:
التمويل الأساسي، تمويل حسب عدد الطلبة، تمويل حسب درجة التأطير، تمويل اجتماعي، تمويل للأداء والجودة.
وبذلك تحصل المؤسسة ذات الاستقطاب المفتوح على موارد إضافية تعكس حقيقة أنها تتحمل وظيفة اجتماعية أكبر.
عاشراً: الجامعة المغربية أمام اختبار سياسي ومجتمعي، وهذه القضية ليست تقنية فقط. فالقرار المتعلق بالاستقطاب المفتوح يمس مباشرة:
الطبقة الوسطى؛
أبناء العالم القروي؛
أبناء الأسر محدودة الدخل؛
العدالة المجالية؛
الحركية الاجتماعية؛
البطالة؛
ومستقبل آلاف الحاصلين على البكالوريا.
لذلك لا ينبغي اتخاذ القرار داخل الإدارة فقط. بل المطلوب نقاش وطني جامعي تشارك فيه:
الجامعات،
الأساتذة،
الطلبة،
النقابات،
الأسر،
المنتخبون،
القطاعات الاقتصادية،
الخبراء،
والمجتمع المدني.
فالجامعة ليست مجرد قطاع حكومي، إنها مؤسسة لإنتاج المستقبل.
في الختام، فبعد استعراض تاريخ المشكلة، وتحليل الاكتظاظ والتأطير والهدر، ومناقشة الخريطة الجامعية وآفاق الإصلاح، يمكن الوصول إلى خلاصة أساسية:
مؤسسات الاستقطاب المفتوح ليست فشلاً في الجامعة المغربية؛ الفشل يكمن في تركها تعمل بمنطق قديم داخل جامعة تغير حجمها ووظائفها وانتظارات المجتمع منها.
لقد كانت دمقرطة الولوج خطوة تاريخية ضرورية.
لكن دمقرطة الولوج دون دمقرطة فرص النجاح تظل ديمقراطية ناقصة. ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على إغلاق الأبواب، وإنما على بناء جامعة تستطيع أن تقول للطالب: يمكنك أن تدخل، ولكننا لن نتركك وحدك داخل الجامعة.
وهذه هي النقلة التي ينبغي أن تؤسس لجامعة المغرب بعد 2030: جامعة مفتوحة في الولوج، عادلة في الفرص، صارمة في الجودة، مرنة في المسارات، ذكية في استعمال التكنولوجيا، قوية في البحث العلمي، مرتبطة بالجهة، ومنفتحة على المجتمع وسوق الشغل.
وبذلك يصبح معيار نجاح الإصلاح ليس: كم طالباً خرج من الجامعة؟ بل كم طالباً دخل الجامعة وخرج منها أكثر معرفة، وأكثر كفاءة، وأكثر قدرة على العمل والبحث والمواطنة؟
إنها في النهاية ليست قضية الاستقطاب المفتوح وحده، وإنما قضية العقد الاجتماعي الجديد للجامعة المغربية. فإذا نجح إصلاح 2026–2030 في بناء هذا النموذج، فإن مؤسسات الاستقطاب المفتوح يمكن أن تتحول من معضلة عمرت طويلاً إلى أكبر رافعة للعدالة الاجتماعية والرأسمال البشري المغربي. أما إذا اقتصر الإصلاح على تقليص الأعداد وإعادة توزيعها بين المؤسسات، فإن المغرب قد ينجح في تخفيف الاكتظاظ، لكنه لن يكون قد أصلح الجامعة. وهنا يكمن الفرق بين إصلاح الأزمة وإصلاح النموذج.






