تكشف قراءة رحلات محمد اشويكة في أنفاس الجغرافيا أن الأمر لا يتعلق، في جوهره، بكتاب أسفار ينتقل فيه السارد من مدينة إلى أخرى، وإنما بكتاب يعيد اختراع المكان كلما غادره؛ فالرحلة عنده لا تبدأ من الجغرافية لتنتهي إليها، وإنما تنطلق من المكان معطًى خارجيًا، ثم تعبره بالحواس والذاكرة والثقافة والفن والتاريخ والسياسة، لكي تعود في النهاية إلى الذات مكانًا أعلى للرحلة.
لقد بدت تحناوت جغرافية للفراق والحنين، حيث يتحول المكان الأول إلى أثر داخلي لا يكف عن استعادة غيابه؛ وبدت زاكورة فضاءً تتشابك فيه الصحراء بالذاكرة واللغة والثقافة، بحيث لا يعود الرمل مجرد مادة طبيعية، وإنما أرشيفًا للهوية. وفي الداخلة، انفتح المكان على حدوده القصوى: البحر، الريح، العزلة، الجغرافية الصحراوية، والتوتر بين الامتداد والانتماء. أما مراكش وأضدادها، فحوّلت المدينة إلى كائن مزدوج، تُقرأ داخليًا وخارجيًا، في ضوئها وظلالها، في الذاكرة والتحول، في الألفة والاغتراب.
وفي سينما آرمور، لم يعد المكان يُروى فقط، بل صار يُشاهَد؛ فتحولت السينما إلى جهاز للذاكرة البصرية، وتحوّل استحضار الشريط السينمائي والمخرج والصورة إلى محاولة لاسترداد ما تمحوه المدينة الحديثة. ثم جاءت وهران لتجعل الصوت نفسه جغرافية: الراي، الأغنية، السينما، الاستعمار، المنفى والذاكرة، بحيث صار المكان يُعاد بناؤه لا بالعين فقط، بل بالأذن. وفي ليبيا، اتخذت الجغرافية بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا، فصار البحر والمدينة والرقابة والأمل والمنفى متوالية تكشف أن المكان العربي لا ينفصل عن سؤال الحرية.
أما مصر، فقد فتحت الرحلة على عمق حضاري يتجاوز حدود المشاهدة؛ من محمد رشدي وصوت مصر الشعبية إلى هيباتيا ومكتبة الإسكندرية، حيث تتكثف البلاد في صوت وذاكرة ومعرفة، وتغدو الجغرافية فضاءً لتراكم الحضارات لا مجرد خلفية للأحداث.
وتأتي في النهاية ناطحات الشمس لتقلب هذه الرحلات كلها من داخلها؛ إذ تنتقل من المدن الواقعية إلى المدينة الافتراضية، ومن جغرافية الاكتشاف إلى جغرافية الإنذار. هنا يكتشف محمد اشويكة أن أخطر ما يهدد المكان ليس الخراب وحده، بل إمكان أن يتحول إلى نسخة بلا ذاكرة، وواجهة بلا هوية، وفضاء عالمي بلا صاحب، مدينة تتوفر فيها الأشياء كلها ويغيب عنها الشيء الأكثر بداهة: المكان نفسه.
ومن ثم تتبلور، عبر مجمل الرحلات، رؤية محمد اشويكة للمكان باعتباره طبقات متراكبة من الحس والذاكرة واللغة والتاريخ والثقافة والسلطة والجسد. المكان لا يوجد خارج الإنسان خالصًا؛ إنه يسكنه بقدر ما يسكنه الإنسان، ولذلك فاغتراب المكان هو، في النهاية، اغتراب الذات عن شروط وجودها.
وهنا تحديدا تتأسس القيمة العميقة لمشروع أنفاس الجغرافيا: إنه لا يكتب جغرافية الأماكن بقدر ما يكتب جغرافية العيش فيها. ليست المدينة، في منظور محمد اشويكة، عمرانًا، والصحراء ليست فراغًا، والبحر ليس حدودًا، والسينما ليست شاشة، والأغنية ليست صوتًا، والمكتبة ليست رفوفًا؛ كل واحدة من هذه العلامات تتحول إلى آلة لتوليد المعنى. ولهذا يمكن القول إن رحلاته تمضي من جغرافية الموضع إلى جغرافية التجربة، ومن جغرافية التجربة إلى جغرافية الذاكرة، ومن جغرافية الذاكرة إلى جغرافية الذات.
إن الرحلة، بهذا المنظور، ليست خروجًا من الوطن، وإنما اختبار لمفهوم الوطن نفسه؛ وليست انتقالًا بين المدن، وإنما هي بحثٌ عن العنصر الذي يجعل المدينة قابلة للسكن الرمزي: لغتها وذاكرتها وأصواتها وصورها وناسها ومفقودوها ومنبوذوها وآلامها وآمالها.
وبهذه الاعتبارات، يكتسب العنوان: أنفاس الجغرافيا، في ضوء الرحلات بأسرها، دلالته الأعمق: فالجغرافية ليست جسدًا جامدًا من تضاريس وحدود، وإنما كائن يتنفس عبر الإنسان. وما دام المكان يتنفس، فليست مهمة الرحلة أن تصفه، بل أن تنصت إلى أنفاسه، وأن تكشف اختناقه حينًا، وذاكرته حينًا، وحنينه حينًا، وأمله في أحيان أخرى.
هكذا يغدو محمد اشويكة، في نهاية كتابه، رحالة داخل المكان أكثر مما هو مسافر عبره؛ وكلما اتسعت خارطته الخارجية، انكشفت خارطته الداخلية أكثر. لذلك يمكن اختزال المشروع الرحلي كله في حركة واحدة عميقة: المكان يُعاش، ثم يُتذكَّر، ثم يُؤوَّل، ثم يُكتب؛ وما يُكتب عنه يعود في النهاية ليعيد كتابة الذات التي عبرته.
وعليه، فالرحلة الأخيرة لا تغلق الكتاب؛ إنها تعيد فتحه من الجهة الأخرى؛ فبعد "ناطحات الشمس" يعود السؤال إلى بدايته، لكن بصورة أكثر عمقًا: كيف يمكن للإنسان أن يبني مدينة حديثة دون أن يهدم المكان الذي يمنحها معنى؟ وكيف يمكن أن ينفتح على العالم دون أن يفقد لغته؟ وكيف يمكن أن ينتصر على الصحراء دون أن يحولها إلى ضحية؟ وكيف يمكن للجغرافية أن تصبح حداثةً دون أن تفقد ذاكرتها، وأن تصبح مستقبلًا من دون أن تخسر روحها؟ وهنا تحديدا تبلغ أنفاس الجغرافيا ذروة مشروعها: ليست الرحلة بحثًا عن الأمكنة، بل بحثًا عن الإنسان الذي ما زال ممكنًا داخلها.






