ظهر ذلك اليوم الثلاثاء ،دخلت زميلة مسرعة لتخبرني أن هجوما يستهدف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وأن قناة الجزيرة تنقل الصور مباشرة.
حينها كان معي صحافي فرنسي في زيارة مجاملة. كنت قد تعرفت عليه قبل ذلك بسنتين خلال تغطيته لجنازة المرحوم الحسن الثاني لفائدة إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية. قطعنا الحديث وانتقلنا لمتابعة هول ما يجري على الشاشة.
كان باتريك يعرف الحروب جيدا، فقد غطى عددا منها، ولذلك كان للنقاش معه يومها طعم خاص. وبعد أن تابعنا لبعض الوقت الصور القادمة من نيويورك، خرجنا إلى مقهى الوزاني القريب من المكتب بأكدال في الرباط. جلسنا نواصل النقاش أمام طبق من البروشيط والكباب، وكثير من الفريت، والشاي الذي لا يشرب إلا لحلاوته. كان العالم يدخل مرحلة جديدة، ونحن نحاول أن نفهم إلى أين يمكن أن تقود تلك الساعات.
لم أكن أعلم يومها أن باتريك نفسه سيتوفى بعد أقل من سنة في الكويت بينما كانت المنطقة تستعد لحرب العراق.
وبعد خمسة وعشرين عاما، أعود إلى ذلك الثلاثاء وأسأل: ماذا تغير؟ هل أصبح العالم أكثر أمنا؟ هل نجحت الحرب على الإرهاب، أم أن اللا أمن غير فقط جغرافيته وأسماءه وأشكاله؟
بعد أيام من الهجمات، أطلق جورج بوش عبارته التي اختصرت فلسفة مرحلة كاملة: «إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين».
لم تبق مجرد جملة قيلت تحت وقع الصدمة، بل تحولت إلى عقيدة سياسية وأمنية وسعت الحرب على الإرهاب من ملاحقة تنظيم إلى مشروع عسكري امتد عبر دول وقارات.
كانت أفغانستان البداية. في أكتوبر 2001 أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية «الحرية الدائمة». سقط نظام طالبان وتفككت قواعد القاعدة، لكن الحرب امتدت عشرين سنة. وعندما غادر آخر الجنود الأمريكيين أفغانستان سنة 2021، كانت طالبان قد عادت إلى الحكم. فهل نجحت الحرب إذا كانت قد انتهت بعودة القوة نفسها التي بدأت لإسقاطها؟
وفي يناير 2002 افتتح معتقل غوانتانامو، الذي تحول إلى أحد أكثر رموز الحرب على الإرهاب إثارة للجدل. فهل نجحت الديمقراطيات في حماية نفسها من الإرهاب دون أن تمس، باسم الأمن، بعض القواعد التي قامت عليها دولة القانون؟
ثم جاء العراق. في فبراير 2003 وقف كولن باول أمام مجلس الأمن ليقدم ملفا يفترض أنه يثبت امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. بدأت الحرب، سقط نظام صدام حسين، ثم اعتقل وأعدم، لكن تلك الأسلحة لم يعثر عليها. وتفكيك مؤسسات الدولة وحل الجيش والصراع الطائفي خلق فراغا استثمرته الجماعات المسلحة، ومن «القاعدة في العراق» ستتطور لاحقا تنظيمات أكثر تطرفا، وصولا إلى «داعش» وغيرها .
فهل كان إسقاط نظام يعني بالضرورة بناء دولة أكثر أمنا؟ وهل ساهمت الحرب على الإرهاب، في بعض محطاتها، في إنتاج بيئات جديدة للإرهاب؟
لا يمكن تجاهل ما تحقق. فقد ضربت بنية القاعدة، وقتل أو اعتقل عدد كبير من قادتها، وتطور التعاون الاستخباراتي وأمن الطيران ومراقبة تمويل الإرهاب. وربما أصبح تنفيذ عملية بحجم 11 شتنبر أكثر صعوبة. لكن هل يكفي ذلك للقول إن العالم أصبح أكثر أمنا؟
فالإرهاب لم يختف. انتقل مركز ثقله تدريجيا من أفغانستان والعراق نحو إفريقيا، وخاصة الساحل، مستفيدا من هشاشة الدول والفقر والنزاعات وضعف المؤسسات. فهل حاربنا الإرهاب أم حاربنا الإرهابيين؟ وهل يستطيع الصاروخ الذي يقتل قائد جماعة أن يقتل أيضا الأسباب التي تنتج قائدا آخر؟
لكن ربع قرن من «الحرب على الإرهاب» يضع أمامنا سؤالا آخر أكثر إحراجا: هل ظل الإرهاب، كما عرفناه صباح 11 شتنبر، عنفا تمارسه جماعات خارج الدولة؟ أم أصبح العالم مطالبا أيضا بمساءلة العنف الذي تمارسه الدول؟
قد يكون مفهوم «إرهاب الدولة» مختلفا عليه قانونيا، لكن ماذا نسمي استهداف المدنيين والعقاب الجماعي والاستخدام غير المتناسب للقوة عندما تمارسه دولة؟ وهل تصبح الأفعال أقل خطورة لمجرد أن مرتكبها يملك جيشا وعلما ومقعدا في الأمم المتحدة؟
وما يجري في غزة يجعل السؤال أكثر إلحاحا. فهل يمكن ألا نسائل ما أعقب 7 اكتوبر وما سبقه من قتل ودمار وتهجير ومعاناة إنسانية؟ وهل تختلف قيمة المدني باختلاف هوية من يقتله؟ وهل يمكن للعنف المفرط الذي تمارسه الدول باسم محاربة الإرهاب أن يصبح بدوره أحد الأسباب التي تغذي إرهاب الغد؟
وحتى داخل الولايات المتحدة فالخوف اصبح له وجه آخر .تشير استطلاعات راي حديثة إلى أن مخاوف الأمريكيين أصبحت أكثر ارتباطا بالجريمة والعنف والتهديدات الداخلية من الإرهاب الخارجي. فهل تغير مصدر الخطر، أم تغير فقط إدراكنا له؟
بعد خمسة وعشرين عاما، أعود إلى ذلك الظهر، وإلى باتريك، وإلى ذلك النقاش بمقهى الوزاني حول الكباب. يومها كنا نحاول أن نفهم ماذا يحدث في نيويورك، ولم نكن نعرف أي عالم سيولد من تحت ركام البرجين. واليوم، بعد ربع قرن، تبدو الأسئلة أكثر من الأجوبة.
وبين ما يقال وما لا يقال، ربما لم يعد السؤال كم إرهابيا قتل العالم، بل: كم سببا من أسباب الإرهاب لا يزال يعيش معنا؟






