بلاغ وزارة الخارجية بشأن أزمة سبتة المحتلة عقب أحداث نهاية يوليوز الماضي محسوب بعناية ودقيق للغاية ولا يندرج بحال في خانة الخطابات الإنفعالية، بقدر ما يسائل الحجة في السردية الإسبانية، ويضعها في قفص الاتهام، لذلك يستحق الوقوف عنده بالتفسير.
البلاغ ورد في شكل بنية حجاجية أقرب إلى مرافعة قانونية منها إلى بلاغ دبلوماسي، فبعد أن أكد على سيادية التصرف بما يظهر الندية بدل التبعية، ذكر بحجم العلاقة الاقتصادية والأمنية التي تجمع الطرفين منذ الإعلان المشترك سنة 2022 كحجة ضمنية تبرز رشد الشريك المغربي في العلاقة وتذكر الطرف الإسباني بحجم ما يمكن أن يخسره في حال تدهور هاته العلاقة، ثم انتقل بشحنة من المظلومية ليبرز حجم التضحية المغربية التي يستفيد منها الشريك الإسباني في عبارة "الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالقوات المغربية"، وهو ما يؤكد أن المغرب دائن أخلاقي لإسبانيا في هذه العلاقة.
بعد هذه الصورة انتقل البلاغ لوضع الطرف الإسباني في دائرة المساءلة عبر ثلاثة أسئلة بلاغية اتهامية مؤرقة؛ أولها، لماذا يستمر توجيه الاتهام للسلطات المغربية دون دليل، ثم لماذا لم يتم ترحيل الأشخاص في وضعية غير نظامية نحو مدنهم الأصلية، لخيختمها بلماذا يتم الإبقاء على القاصرين في سبتة بدل تسليمهم لأهاليهم كما يطالب المغرب بذلك؟.
هذا البناء يؤكد انتقال المغرب من موقع المتهم إلى موقع المُسائِل للطرف الآخر الموضوع في دائرة الاتهام، أي قلب المعادلة بالحجة والمنطق. بعد هذا انتقل خطاب البلاغ بشكل متدرج من انتقاد شعبوية بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية إلى انتقاد أحزاب تاريخية كالحزب الشعبي، ثم إلى انتقاد مؤسسات إسبانية رسمية كالبرلمان والقضاء بتبنيها مبادرات غير موفقة، وهو ما يشكل استهدافا لشأن داخلي إسباني بالندية نفسها التي تعالج بها بعض الأطراف الإسبانية الشأن الداخلي المغربي.
وبعد هذا الحصار في الزاوية، خلص البلاغ إلى أن هذه الأطراف جنحت إلى التبخيس بدل التبصر والاتهام بدل التحليل الموضوعي، بما يعني أن الموقف المغربي عقلاني وموضوعي، بينما الموقف الإسباني انفعالي وغير عقلاني في نزع ضمني لشرعية موقف الخصم.
من اللافت، أن البلاغ لم يذكر مسألة السيادة على سبتة ومليلية المحتلتين، وقد تكون المسألة مؤجلة بشكل محسوب لمراحل قادمة من النزاع وهو أمر مقصود يُبقي الأزمة في إطار الهجرة والأحداث المؤسفة والجوار، دون الذهاب إلى بعد السيادة الذي سقطت فيه بعض الأطراف الإسبانية باستباق مقصود، ذلك لتوظيفه داخليا لأغراض انتخابية وشعبوية، وهو ما رفضته المملكة بشكل قاطع بالتعبير عن استيائها ورفضها أن تُعامل كأصل تجاري في هذا السياق، والخطاب هنا موجه لخصوم سانشيز في تمييز مقصود بين الحكومة الإسبانية التي ظلت معتدلة والمعارضة الشعبوية في تكتيك يرمي إلى عزل هذه الأخيرة داخل المشهد السياسي الإسباني.
وختم البلاغ بفقرة تحذيرية جاء فيها أن العقم الاستراتيجي سيحول هذا الرصيد إلى مصدر للريبة المزمنة والتوترات المتكررة، وهي رسالة تستبطن أن مكاسب الشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني ليست مكتسبة نهائيا، بل، مشروطة بحسن التدبير السياسي الإسباني لمصالح جاره الجنوبي.
في المحصلة، البلاغ ينطلق من موقع الشريك الواثق إلى موقع الطرف المتضرر الذي يسائل ويحذر الطرف الإسباني وبعض مؤسساته الرسمية ويرفض الخطاب الشعبوي الانتخابوي السياسوي الإسباني الذي يقامر بمصالح البلدين، ويبخس جهود الجار الجنوبي بشكل يضر الطرفين معا وعلى رأسهما إسبانيا.






