أما اليوم، فقد انقلبت الآية رأساً على عقب، إذ لم يعد المغرب مِن بين مَن يبحثون عن منفذ من البحر إلى العمق الإفريقي، بل أصبح العمق الإفريقي كله، من نهر النيجر إلى حدود تشاد، هو من يبحث عن منفذ إلى العالم الأزرق وما وراءه من خلال بوابة المغرب.
إن هذا لهو جوهر المبادرة الأطلسية، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، في فلتة عبقرية شبيهة في عبقريتها بفلتة المسيرة الخضراء، التي أبدعها والده المنعم بالله. ولا غرابة في ذلك فهذه النبتة من تلك الشجرة.
إن هذه المبادرة ليست مجرد ميناء في الداخلة، ولا مجرد أنبوب غاز يصعد من نيجيريا مرورا بثلاث عشرة دولة في مسار هو الأطول عالميا، باتجاه المغرب، ثم باتجاه أوروبا، بل هي إعادة مدروسة ومحبوكة حبكا حكيماً يروم في حقيقة الأمر رسم خريطة القارة من جديد، وإعادة ترتيب جيرانها ومكوناتها ومحيطها المباشر وغير المباشر...
فكّروا معي قليلاً: دول مثل مالي والنيجر وبوركينافاسو، حبيسة، لا بحر لها، كانت لعقود طويلة رهينةً عند فرنسا، مسجونةً في مستودعات ميناء داكار الفرنسي، تدفع الضريبة السياسية قبل الضريبة الجمركية... واليوم، يأتيها المغرب ليقول لها بكل بساطة، ولكن بحِرفية الساسة العظام، إنّ بحري هو بحرُك، وإنّ مينائي هو ميناؤك، بلا وصاية، وبلا أي شرط قد يذكّركِ بالشروط الاستعمارية الفائتة.
هنا بالضبط يكمن سر الخوف الذي ينتاب الجميع، في إفريقيا الأمازيغية والعربية خصوصاً، وفي كامل منطقة البحر الأبيض المتوسط عموماً.
فهناك خوف فرنسا، على الضياع الكامل لامتيازاتها بالقارة السمراء، وخاصة بدول الساحل، بوصف هذه الدولِ هي المعنيةَ الأولى بالمبادرة المغربية الأطلسية.
ففرنسا لا تخاف من ميناء الداخلة كحجارة وإسمنت وتجهيزات فارهة، بل تخاف منه من حيث كونُهُ فكرة. أقصد، الفكرة التي مفادها أنّ مالي والنيجر وبوركينا فاسو سيسعها بفضل المشروع المغربي الأطلسي أن تتنفس دونما حاجة إلى رئة فرنسية.
لثد كانت فرنسا تصرخ في وجه قادة هذه الدول قائلةً بكل بجاحة: أنتم "لا بحر لكم إلا عبر موانئي، ولا خروج لكم من اليابسة المهيمنة على إحداثياتكم الجغرافية إلا بتأشيراتي".
ثم جاءت المبادرة الأطلسية فنسفت هذا الشعار الفرنسي من جذوره. ليحل محله القول المغربي الرزين والحكيم: "طريقكم إلى العالم لن يمر من الآن فصاعداً عبر باريس". ومن هنا نفهم، نحن والعالم من حولنا، لماذا كل هذا النواح الصاخب في وسائل الإعلام الفرنسي.
ثم هناك خوف الجزائر وإسبانيا... من العزلة الجغرافية الموشكة. ذلك أن الجزائر ترى الخريطة وقد بدأ يُعاد رسمُها بدون حضورها، ولا مشاركتها، ولا حتى استشارتها صورياً. فأنبوب الغاز النيجيري الذي كان مُنتهى حُلمِها، أصبح سيمر عبر ثلاث عشرة دولةً ليصل إلى المغرب، لا إلى ترابها العَكِر. والمبادرة الأطلسية من شأنها أن تجعل منها دولةً حبيسة سياسياً، برغم كونها مُطِلَّةً على المتوسط.
أما إسبانيا، فقصتها أقدم من ذلك بكثير. إذ هي التي كانت تظن أن بوابة إفريقيا تتمثل في موانئ جزر الكناري وقادس، فإذا بها اليوم تكتشف أن البوابة الحقيقية أصبحت متجسِّدةً في ميناء الداخلة بالذات، وفهمتْ بالتالي أن ميناء طنجة المتوسط الذي سحب من تحتها البساط، وبَعده ميناء الناظور، لم يكونا إلا "البروفة الأولى" لما سيأتي لاحقاً من مبادرات أقوى وأعتى لا تدور بخلد قادتها. ومن أبرز المؤشرات على ذلك، ضخامةُ وهَوْلُ المشاريع الأمريكية والصينية والبريطانية، وحتى الفرنسية والألمانية، المتدافعة فوق تراب أقاليمنا الجنوبية عامةً، وباتجاه حاضرة الداخلة بشكل خاص.
ثم هناك المباركة العالمية لهذا المشروع المغربي الكبير، لكون العالم سئم من الفوضى، ولكون أمريكا تخطط لقطع الطريق على قوات الفاغنر في الساحل، بينما أوروبا تريد، فقط لا غير، وقف قوارب الموت من التقاطر عليها، فيما بريطانيا وإسرائيل تريدان مركزاً لوجستيكياً آمناً للغاز والنفط والقمح. والمغرب لا يقدم في هذا السياق شعارات، بل يقدم حلاً "كامل الأوصاف" يمكن اختزاله في أربع كلمات في غاية البساطة: "الأمن، الاستقرار، مقابل التنمية".
إن هذا بالذات، هو ما يفسر كما أسلفتُ في مقالي السابق، لماذا تحرص قوى عظمى على تشييد خزاناتها العملاقة فوق التراب المغربي، ولمذا في هذا التراب بالذات.
لقد تحدثتُ لكم بالأمس عن الثقب الأسود في الشمال، وعن سبتة ومليلية، اللتان تحولتا إلى جرح في السيادة الإسبانية، وإلى جسرٍ أسودَ لتهريب الأشخاص والممنوعات يقض مصاجع الأوروبيين قاطبة. واليوم، أختم حديثي هذا بالإشارة إلى "النجم الجديد" الذي بزغ وألقى بأولى خيوط نوره في الجنوب المغربي.
لقد علّمنا التاريخ قاعدة بسيطة، وهي أن الثقوب السوداء لا تُسَد بالخُطَب، ولا بالشعارات، حتى ولو كانت تلك شعارات أوروبية، وإنما تُبتَلَع من لدن نجوم أكبر منها وأشدَّ كثافةً، ولم يكن هذا النجم الجنوبي المُهْوِل إلاّ المبادرة الأطلسية التي بشر بها عاهل البلاد ويجري الآن تنزيلها على قدم وساق، ولم يكن رأس حربة هذه المبادرة إلى ميناء الداخلة الموشك على الانطلاق.
قالوا في أيام زمان: إن مَن يملك البحر في وسعه أن يملك البر، ويقول مغاربة اليوم: إن مَن يملك الداخلة، وميناء الداخلة تحديداً، سيملك مفاتيح خريطة الغد بهذه المنطقة ثلاثية الأبعاد: "الإفريقية/المتوسطية/الأطلسية".
نهايته... إن المغربَ لم يعد ذلك البلد الذي يدافع عن حدوده، بل أصبح المغربُ بمثابة البلد الذي يرسم حدود غيره. وليعلم الذين يشيدون الخزّانات في شمال البلاد، أن زمن الثقب الأسود قد ولى، وأنه قد حل محله زمن "النجم البحري المغربي" الجامع والحاضن لشتّى الهُوِيّات، وشتى الثقافات.






