علن وزير الداخلية النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية. فاز من فاز، وخسر من خسر، واستقرت نسبة المشاركة عند حوالي 38 في المائة. لم تكن النتائج مفاجئة للمتابعين، ولم يكن سلوك الإدارة خلال الحملة موضوع احتجاج المتنافسين. وقام الملاحظون الوطنيون والدوليون بعملهم، وأغلقت صناديق الاقتراع.
غير أن ما يستحق التوقف عنده، بعد إعلان النتائج، ليس فقط ما أفرزته صناديق الاقتراع، بل ما جرى خارجها، حيث كان المال حاضرا بأشكال وأساليب تستدعي أكثر من وقفة.
فالمال الانتخابي ليس جديدا. الجديد هو التحولات التي عرفتها علاقته بالأحزاب والمرشحين والمواطنين، حتى أصبحنا أمام ظاهرة تتجاوز شراء الأصوات، لتطرح أسئلة حول مستقبل العمل السياسي وقيم المجتمع واستقلالية المؤسسات.
في السابق، كان استعمال المال يرتبط بأحزاب ومرشحين بعينهم، وكانت قوى سياسية أخرى تتخذ من رفضه عنوانا لهويتها. أما اليوم، فقد اتسعت دائرة المتعاملين به، حتى بات الامتناع عن استعماله استثناء لا قاعدة.
ولكل طرف تبريره. هذا يتحدث عن تكاليف الحملة، وذاك عن أجور العاملين، وثالث عن ضرورة مواجهة منافس لا يتردد في الإنفاق. وهكذا يصبح المال الذي كان موضوع إدانة مشتركة ممارسة يبحث الجميع عن مخرج لتبريرها، إلا من رحم ربك.
والتحول الثاني يهم المواطن نفسه.
فلم يعد الأمر مقتصرا على مرشح يعرض المال وناخب يقبله. لقد ظهرت، في بعض الأوساط، علاقة أكثر تعقيدا، يبحث فيها المواطن بدوره عن نصيبه من الموسم الانتخابي، عبر العمل اليومي في الحملة، أو طلب مساعدة لعلاج مريض، أو مصاريف جنازة.
ولا ينبغي تحميل المواطن الهش وحده المسؤولية. لكن الخطورة تبدأ حين يتراجع الحرج الأخلاقي من الحصول على مقابل غير مشروع، وتصبح الانتخابات موسما لتحصيل المنافع، لا مناسبة لممارسة المسؤولية.
أما التحول الثالث، فهو أن المال لم يعد ينتظر انطلاق الحملة.
فقد يسبقها بأشهر، عند البحث عن التزكية، واختيار الدائرة، واستمالة المؤثرين المحليين. وقد يتحول إلى معيار غير معلن في اختيار المرشحين، فتتراجع الكفاءة والالتزام السياسي أمام القدرة على تمويل المعركة الانتخابية.
ثم يأتي التحول الرابع، مع ظهور شبكات وساطة أكثر تنظيما. فلم تعد العلاقة دائما مباشرة بين المرشح والناخب، بل قد تمر عبر وسطاء يعرفون الأحياء والعائلات، ويملكون شبكاتهم وأساليبهم في التعبئة والتفاوض. وهكذا تتداخل المصالح، وتتوزع المسؤوليات، ويزداد تعقيد الإثبات والمحاسبة.
أما التحول الخامس، فيتعلق بالإعلام. ففي السابق، كانت الصحف الحزبية تدافع عن مرشحي أحزابها، وكان القارئ يعرف من يتحدث إليه. أما اليوم، فقد دخلت مواقع إلكترونية إلى سوق الانتخابات، بعضها باسم الشراكة، وبعضها باسم التواصل، وأحيانا دون إعلان واضح عن طبيعة العلاقة مع المرشح أو الحزب.
وهكذا، لم يعد المال يبحث فقط عمن يصوت، بل عمن يصنع الصورة ويوجه النقاش. والخطورة ليست في الإشهار المشروع، وإنما في اختلاط الخبر بالدعاية، وتحول التأثير الإعلامي إلى خدمة مؤدى عنها دون علم المواطن.
وهكذا، فإن أخطر ما تكشفه هذه التحولات ليس مجرد اتساع استعمال المال الانتخابي، بل التدرج نحو التطبيع معه، حتى يصبح ممارسة مألوفة لدى الفاعل السياسي والوسيط والمواطن، وامتد تأثيره إلى المجال الإعلامي. وعندما يصبح المال طريقا إلى المؤسسات، يطرح السؤال عما يمكن أن يفعله داخلها.
لقد تناول البنك الدولي، في أدبياته، مفهوم «الاستيلاء على القرار داخل الدولة»، حين يتمكن المال والمصالح خاصة من التأثير في صياغة القوانين والسياسات والقرارات العمومية لفائدتها. وهو مفهوم يذكرنا بأن خطورة المال قد تتجاوز شراء الأصوات إلى التأثير في المؤسسات التي تصنع القرار.
فمن يستثمر أموالا طائلة للوصول إلى مؤسسة منتخبة قد يدخلها حاملا دفتر حسابات، لا مشروعا سياسيا.
فالمال الانتخابي ينخر قيم المجتمع، ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة.
ولهذا، وبعد أن استمعنا إلى وزير الداخلية، لم يبق أمامنا إلا انتظار والي بنك المغرب!
فقد حدثنا مؤخرا عن تثبيت سعر الفائدة، وعن المؤشرات الاقتصادية. ونحن ننتظر منه، من باب الفضول الاقتصادي، أن يحدثنا عن حجم السيولة التي تحركت خلال الموسم الانتخابي.
كم من الأموال خرجت من الحسابات؟ وكم انتقلت بين المرشحين والوسطاء؟ وكم عادت إلى الاقتصاد عبر جيوب الناخبين؟
لكن، بين ما يقال وما لا يقال، أخشى أن نكون قد أحصينا أصوات الناخبين بدقة، بينما لم نحص بعد ما يمكن أن يخسره المجتمع من قيم وثقة في مؤسساته، حين يصبح المال قادرا على شراء الطريق إلى من يضعون القوانين.






