هناك تناقضات تندرج ضمن النقاش السياسي، وأخرى ينتهي بها الأمر إلى أن تبدو أقرب إلى المزحة. فعلى مدى أشهر، تنافست الأحزاب المغربية في خطاباتها حول السيادة الاقتصادية، والأفضلية الوطنية، ودعم المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص الشغل، وتعزيز المحتوى المحلي، وضرورة إتاحة المجال أمام الشركات المغربية للعمل. ثم حان وقت التواصل مع المغاربة. وهنا، وبشكل يثير الاستغراب، اتجه جزء مهم من الأموال المخصصة للإعلانات إلى فيسبوك وإنستغرام، المملوكين للعملاق الأمريكي «ميتا».
وتكشف الأرقام المتاحة في «مكتبة إعلانات ميتا» الكثير. ففي الفترة الممتدة فقط بين 9 غشت و7 شتنبر، أي قبل بداية الجزء الأساسي من الحملة الانتخابية الرسمية، أنفق حزب التجمع الوطني للأحرار 133 ألفاً و103 دولارات على 514 إعلاناً عبر فيسبوك وإنستغرام. بينما أنفق حزب الأصالة والمعاصرة 22 ألفاً و184 دولاراً على 889 إعلاناً، وحزب الاستقلال 14 ألفاً و489 دولاراً على 138 إعلاناً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 6 آلاف و95 دولاراً على 191 إعلاناً.
وقبيل موعد الاقتراع، أشار «التجمع الجمعوي لملاحظة الانتخابات» إلى أن نفقات حزب واحد على فيسبوك خلال الثلاثين يوماً السابقة للاقتراع تجاوزت 150 ألف دولار، وكانت، وفق المعطيات التي رصدها، تفوق مجموع ما أنفقته باقي الأحزاب التي شملتها الملاحظة.
وللتوضيح، فإن هذه البيانات تتعلق بالنفقات الظاهرة داخل منظومة «ميتا»، ولا تشكل افتحاصاً شاملاً لمجموع الإنفاق على الاتصال الرقمي للأحزاب. فهي لا تشمل بالضرورة أتعاب وكالات التواصل، وإنتاج مقاطع الفيديو، والمصممين، والمصورين، وفرق الاتصال، ولا الأموال التي قد تكون أنفقت على منصات أخرى. لكنها تعطي، مع ذلك، فكرة واضحة عن حجم الانبهار الذي تمارسه الآلة الإعلانية لشركة «ميتا» على بعض القيادات الحزبية المغربية.
وهنا يبدأ التناقض الطريف.
يقال لنا، والبرنامج الانتخابي في اليد، إن المقاولة الصغيرة والمتوسطة ينبغي حمايتها ومواكبتها وتمويلها ومنحها الأفضلية. وتُطرح وعود بتعزيز النسيج الإنتاجي الوطني. ونكتشف في برنامج حزب الاستقلال، مثلاً، توجهاً لرفع نسبة المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50 في المائة في أفق سنة 2031، وإدماج معيار القيمة المنتجة داخل المغرب في الصفقات العمومية، وتشجيع المقاولات الوطنية في المشاريع الكبرى.
كما قدم حزب التجمع الوطني للأحرار برنامجه الاقتصادي أمام الاتحاد العام لمقاولات المغرب، في نقاش شكلت خلاله تنافسية المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة إحدى أبرز انشغالات القطاع الخاص. وبدورها، كثفت أحزاب أخرى من التزاماتها تجاه الصناعة والمقاولة الوطنية.
ممتاز.
لكن عندما يحين وقت شراء الظهور، يمكن للمقاولة المغربية، على ما يبدو، أن تنتظر. ويمكن للإعلام الرقمي المغربي أن ينتظر. ويمكن لوكالة الإعلانات الوطنية أن تنتظر. ويمكن للشاب الذي أنشأ للتو منصة للمحتوى أن ينتظر.
ويمكن للمطور المغربي، والوكالة المحلية، والمنظومة الرقمية الوطنية أن تستمع بهدوء إلى خطابات السيادة الاقتصادية، بينما تتجه الميزانيات الإعلانية إلى البنية التحتية التابعة لمجموعة تكنولوجية أمريكية.
لنكن جادين، لا أحد يطالب الأحزاب المغربية بمغادرة فيسبوك أو إنستغرام. سيكون ذلك أمراً عبثياً. فهذه المنصات أصبحت اليوم جزءاً من الفضاء العام، ولا يستطيع أي مسؤول سياسي حديث أن يتجاهلها بشكل منطقي. لكن استخدام شبكة اجتماعية، وبناء استراتيجية تقوم بشكل واسع على شراء الظهور من خلال هذه الشبكة، أمران مختلفان.
خصوصاً عندما نقضي أيامنا في شرح ضرورة «استهلاك المنتوج الوطني» للمقاولين المغاربة.
ولعل الطريف أكثر يوجد في مكان آخر: الأموال التي أُنفقت لم تنتج حتى ترتيباً انتخابياً يتناسب مع حجم القوة الإعلانية التي جرى توظيفها.
فقد منحت النتائج النهائية لاقتراع 23 شتنبر حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار 66 مقعداً، والاستقلال 65 مقعداً، والعدالة والتنمية 54 مقعداً. وبالتالي، فإن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان قد حصل على 102 مقعداً سنة 2021، والذي تميز بمستوى إنفاق إعلاني على «ميتا» يفوق بكثير إنفاق منافسيه خلال الفترات التي جرى رصدها، لم يتصدر اقتراع 2026.
لكن يجب تسجيل توضيح أساسي: هذه الأرقام لا تثبت إطلاقاً أن الإعلانات على فيسبوك تسببت في فوز حزب معين، كما أنها لا تثبت أنها تسببت في تراجع حزب آخر. فالانتخابات تتأثر بعشرات المتغيرات، من الحصيلة السياسية، والتموقع الترابي، والمرشحين، والشبكات المحلية، ونسبة المشاركة، والبنية السوسيولوجية للناخبين، والتعبئة الحزبية، ومصداقية الخطاب، والقدرة على الإقناع.
لكن هذه الأرقام تسمح بتبديد وهم واحد: شراء الظهور ليس شراءً للثقة.
يمكن شراء مليون مشاهدة. لكن لا يمكن طلب مليون قناعة.
يمكن جعل وجه مرشح يظهر ثلاثين مرة على هاتف الناخب. لكن لا يمكن إجبار هذا الناخب على وضع ورقته في صندوق الاقتراع.
يمكن تمويل مقطع فيديو إلى درجة تجعله يبدو وكأنه ظاهرة وطنية. لكن لا يمكن تمويل ورقة الاقتراع.
ولعل هذا هو ما نسيه بعض الاستراتيجيين السياسيين وهم يتأملون بإجلال لوحات البيانات الخاصة بـ«ميتا»: الوصول «Reach» ليس دائرة انتخابية، والنقرة ليست صوتاً، والتفاعل «Engagement» ليس انخراطاً سياسياً.
إن الخلط بين الشبكة الاجتماعية والمجتمع الحقيقي أصبح واحداً من أبرز أمراض الاتصال السياسي المعاصر.
ففيسبوك وإنستغرام وتيك توك وغيرها من المنصات يمكن أن تكون فعالة بشكل استثنائي عندما يتعلق الأمر بنشر معلومة أو صورة أو مقطع فيديو. بل تصبح شديدة التأثير عندما تتوفر في قضية ما المكونات التي تفضلها الخوارزميات: فضيحة، غضب، اتهام، إذلال، جدل، خوف أو استنكار.
وهنا تحديداً تصبح قدرتها على الانتشار مضاعفة بشكل مذهل.
يمكن لمقطع سلبي أن يجتاز البلاد خلال ساعات. ويمكن لإشاعة أن تتحول إلى موضوع رائج قبل التحقق منها. ويمكن لقضية محلية أن تعطي الانطباع بأن المغرب بأكمله لم يعد يتحدث سوى عنها. وقد يولد تعليق غاضب تفاعلات أكثر من برنامج اقتصادي من مئة صفحة.
الخوارزمية تعرف جيداً كيف تضخم الغضب. لكنها أقل قدرة على قياس المجتمع. والأهم من ذلك، أنها لا تعرف كيف تحول الجمهور تلقائياً إلى ثقة انتخابية.
ولهذا تشكل شبكات التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان مقياساً استثنائياً للجدل، لكنها تشكل مقياساً أكثر قابلية للنقاش عندما يتعلق الأمر بالواقع السياسي العميق. فهي قادرة على تضخيم اليأس والرفض والغضب والفضائح، لأن هذه المضامين تثير ردود فعل سريعة. لكن هذا لا يعني أن المجتمع المغربي يختزل في ما يظهر على صفحة فيسبوك في الساعة الحادية عشرة ليلاً.
وصندوق الاقتراع يأتي أحياناً ليذكر بهذه الحقيقة بشكل قاسٍ.
وهناك أيضاً بُعد آخر، هذه المرة قانوني، لا يمكن للأحزاب تجاهله. فقد عزز الإصلاح الانتخابي لسنة 2026 تأطير الإعلانات السياسية الممولة على المنصات الإلكترونية الأجنبية. وينص القانون التنظيمي رقم 53.25، المتمم للمادة 40 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، على غرامة تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم بالنسبة لبعض الإعلانات السياسية أو المنشورات الانتخابية المؤدى عنها التي يتم بثها عبر منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية.
كما جرى تسجيل شكايات مرتبطة بهذا النوع من المنشورات خلال الفترة الانتخابية. لكن ذلك لا يسمح، بطبيعة الحال، بالاستنتاج تلقائياً بأن كل نفقة تظهر في «مكتبة إعلانات ميتا» تشكل مخالفة؛ إذ يعتمد التقييم القانوني على كل حالة على حدة وعلى ظروف نشرها.
لكن سياسياً، يظل السؤال أبسط بكثير.
كيف يمكن شرح الأمر لمقاولة مغربية صغيرة باعتبارها «قلب الاقتصاد الوطني»، ثم إنفاق عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات، كما تظهرها منصة أجنبية، لشراء الجمهور؟
كيف يمكن الوعد بمزيد من المحتوى المحلي في الصفقات العمومية، من دون التساؤل عما إذا كان بالإمكان توجيه جزء أكبر من ميزانيات الاتصال السياسي نحو دعم المنظومة الإعلامية والرقمية المغربية؟
كيف يمكن الحديث عن السيادة الرقمية، في الوقت الذي يُنظر فيه تلقائياً إلى الحملة الحديثة باعتبارها تعني بالضرورة مزيداً من الاعتماد على خوارزميات الشركات متعددة الجنسيات؟
والأهم، بعد نتائج 23 شتنبر، كيف يمكن الاستمرار في الاعتقاد بأن مجرد رفع ميزانية زر «تمويل المنشور» كفيل بتقريب الأحزاب من المواطن؟
القرب السياسي الحقيقي لا يُشترى ببطاقة بنكية.
إنه يُبنى في الحي، والجماعة، والمقاولة، والمقهى، والجمعية، والسوق، والجامعة ومكان العمل. ويمر عبر نساء ورجال قادرين على الاستماع والإقناع، وأحياناً مجرد الحضور عندما يكون الهاتف مطفأً.
يمكن لـ«ميتا» أن تبيع الظهور.
لكنها لا تبيع التجذر.
يمكن لفيسبوك أن يوفر المشاهدات.
أما ترك الانطباع الجيد، فما زال على الأحزاب أن تقوم به.






