فن وإعلام

دفاعا عن القراءة...صحوة المدارس في المجتمعات المتقدمة (3)

سعيد ناشيد (كاتب)

المجتمعات التي سبقت الجميع إلى رقمنة التعليم هي التي تتراجع عنه اليوم قبل الجميع. وليس هذا التراجع نكوصًا بدافع المحافظة، بل مراجعة قامت على القياس والأرقام.

خذ السويد مثالاً. أدخلت الحواسيب إلى صفوفها تدريجياً منذ أواخر العقد الأول من هذا القرن، حتى صار لكل تلميذ في الثانوية جهازه الخاص. ثم نُشرت سنة 2023 نتائج الدراسة الدولية لتقدّم القراءة (PIRLS 2021)، فكشفت تراجعاً مقلقاً في قراءة الأطفال. وفي السنة نفسها أصدر معهد كارولينسكا، وهو المعهد الطبي الذي يمنح جائزة نوبل في الطب، بياناً يقول إن الأدلة العلمية واضحة: الأدوات الرقمية تُضعف التعلم أكثر مما تقوّيه. فقررت الحكومة العودة إلى الكتاب المدرسي الورقي والقراءة الصامتة والكتابة باليد، ورصدت 685 مليون كرونة لشراء الكتب في 2023، ثم 500 مليون كرونة في كل سنة من السنتين التاليتين. وصار شعار الحكومة: «من الشاشة إلى الكتاب».

والدنمارك، التي كانت من أوائل من وزّع اللوحات الإلكترونية على تلاميذها منذ 2011، فرضت منذ العام الدراسي 2025-2026 حبس الهواتف في صناديق مغلقة طوال اليوم الدراسي، وخصّصت مئات الملايين من الكرونات لإعادة الكتب المطبوعة إلى المدارس، وتمضي نحو حظر شبكات التواصل على من هم دون السادسة عشرة. 

ثم جاءت نتائج PISA 2025، وهو الاختبار الدولي الذي تجريه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقياس مهارات التلاميذ في سن الخامسة عشرة، لتحسم ما بقي من الجدل. نُشرت النتائج في 8 سبتمبر 2026، وسجّلت القراءة فيها أشدّ التراجعات: هبطت 28 نقطة في دول المنظمة بين 2015 و2025، أي ما يعادل خسارة سنة ونصف من التعلم، وهو أدنى مستوى منذ بدأت المنظمة القياس. ويربط التقرير نفسه هذا الهبوط بثلاثة أمور: ازدياد الرقمنة، وطول وقت الشاشة، وتراجع القراءة للمتعة. والأخطر ما لاحظه التقرير من أن أكثر ما ضعف هو المهارات التي يحتاجها عصر الذكاء الاصطناعي تحديدًا: تقييم المعلومات، والربط بين المصادر، والتفكير النقدي.

ليس الدرس أنّ الشاشة شرّ، ولا أنها شرٌّ لا بدّ منه. الدرس الحقيقي هو أن المجتمعات التي تملك أدقّ أدوات القياس هي التي قاست، ثم استنتجت، ثم قررت العودة إلى الكتاب. وقد فهمت هذه المجتمعات، وهي تعلم أن أثمن مورد للإنسان ذكاؤه، ما يغيب عن كثيرين: أن من لا يقرأ لا يخسر المعلومات، فهي متاحة في كل مكان؛ بل يخسر ما هو أغلى: أن يكون له فهمُه الخاص للعالم.