سياسة واقتصاد

الانتخابات البرلمانية.. ما الذي تغير، الوجوه أم المشهد السياسي؟

محمد هرار
كلما حلت الانتخابات، يعود المواطن إلى المشهد نفسه، وإن تغيرت الوجوه، وتبدلت الشعارات، وتغيرت خريطة الأحزاب. نذهب إلى صناديق الاقتراع، نمارس حقنا في الاختيار، تعلن النتائج، يتقدم حزب ويتراجع آخر، تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، ثم تهدأ العاصفة الانتخابية ويعود المواطن إلى حياته اليومية، حاملا السؤال نفسه: ماذا تغير فعلا؟


قد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يحمل كثيرا من الانتظار. فالمواطن لا ينظر إلى الانتخابات فقط من خلال عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما ينتظر أن يرى أثر صوته في حياته اليومية؛ في المدرسة والمستشفى والإدارة وفرص الشغل والقدرة الشرائية، وفي علاقته بالمؤسسات.


ومن هنا يأتي ذلك الشعور لدى بعض المواطنين بأن عجلة الانتخابات تدور كل أربع سنوات، فتستقر مرة هنا ومرة هناك، وتتغير الأسماء والألوان السياسية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في مكانها. حزب يتقدم، وآخر يتراجع، وأغلبية تحل محل أغلبية، ثم يجد المواطن نفسه، بعد فترة، أمام المشهد ذاته، يبحث عن أثر ملموس لذلك التغيير الذي قيل له إنه سيبدأ من صندوق الاقتراع.


ولا يعني هذا أن الانتخابات بلا قيمة أو عبثية، أو أن الديمقراطية مجرد مسرحية. فالديمقراطية أوسع من يوم الاقتراع، وهي مؤسسات قوية، وأحزاب مسؤولة، وبرلمان فعال، ومحاسبة حقيقية، وإعلام قادر على طرح الأسئلة، ومواطن لا يكتفي بدور الناخب الذي يظهر مرة كل أربع سنوات، ثم ينسحب من الحياة العامة.


 قد لا تكون المشكلة في الانتخابات نفسها، وإنما في ما يأتي بعدها. ماذا تفعل الأحزاب بالأصوات التي حصلت عليها؟ وكيف تتحول البرامج والوعود إلى سياسات وقرارات؟ وكيف يحاسب المسؤول عندما لا تتحقق الوعود؟ وهل يشعر المواطن بأن صوته أحدث فرقا حقيقيا، أم أنه كان مجرد رقم أضاف مقعدا إلى رصيد حزب، وأعطى شرعية انتخابية لمرحلة سياسية جديدة؟


ومع ذلك، سيكون من الظلم القول: لا شيء تغير، كما أنه ليس من الواقعي والمنطقي القول: إن كل شيء تغير لمجرد أن حزبا حل محل حزب آخر. فالتجارب الديمقراطية لا تنضج بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى تراكم طويل، ومراجعة للأخطاء، وتطور في المؤسسات، ونضج في وعي المواطن والأحزاب معا.


لكن المواطن من حقه أن يسأل، ومن حقه أيضا أن يكون صعب الإرضاء عندما يتعلق الأمر بمستقبل بلاده. فمن يصوت لا يمنح شيكا على بياض، ومن ينتخب لا يتخلى عن حقه في السؤال والمراقبة والمحاسبة. فالانتخابات ينبغي أن تكون بداية العلاقة السياسية، لا نهايتها.


وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام تجربتنا الديمقراطية: أن ننتقل من انتخابات تتغير فيها النتائج إلى انتخابات ينتج عنها تغيير يشعر به المواطن. أن تصبح الأحزاب حاضرة في المجتمع، لا في مواسم الاقتراع فقط، وأن يقدم المسؤول حسابا عما وعد به، وأن يدرك المواطن أن دوره لا ينتهي بمجرد وضع ورقة في صندوق الاقتراع.


قد نحتاج إلى سنوات طويلة حتى نصل إلى النموذج الذي يطمح إليه المواطن، وربما تكون الطريق مليئة بالتعثر والتناقضات. لكن الخطوات المتعثرة قد تكون، في حد ذاتها، بداية الطريق، ما دام هناك استعداد للتعلم والمراجعة والتصحيح.


ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم بعد كل انتخابات: من فاز ومن خسر؟ ومن تقدم ومن تأخر؟ بل السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا: هل تغير شيء فعلا؟


إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فعلينا أن نعرف ماذا تغير وكيف. وإذا كانت الإجابة بالنفي، فعلينا أن نملك الشجاعة للبحث عن السبب.


فربما ليست المشكلة في كون عجلة الانتخابات تدور، وإنما في كونها لم تسأل بما يكفي: إلى أين نريد لها أن تصل؟


وربما يكون المواطن هو من يملك الإجابة، لا لأنه يملك ورقة اقتراع فقط، وإنما لأنه يملك أيضا حق السؤال والمتابعة والمحاسبة، وحق أن يقول بعد كل دورة انتخابية: لقد صوتنا، والآن نريد أن نرى ماذا صنعت أصواتنا.


ففي النهاية، لا تكفي الجعجعة وحدها، ولا تكفي كثرة الوعود والشعارات؛ ما يريده المواطن هو أن يرى الطحين أيضا