تحليل

ما كنتُ قاطعةَ أمراً: بلقيس وولاية المرأة بين النص القرآني والحديث والدولة الحديثة؟

عبد العزيز الخطابي

لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ المؤسسات. بل فتح من جديد سؤالاً قديماً يتجدد كلما تغيرت صورة السلطة في المجتمعات العربية والإسلامية: هل تتحدد أهلية الإنسان لتولي المسؤولية السياسية بجنسه. أم بكفاءته وقدرته على التدبير وتحمل المسؤولية؟ وهل يمكن أن نقرأ التراث الديني والفقهي بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي تحول النصوص إلى أجوبة نهائية قبل أن تسمح لها بأن تكون موضوعاً للسؤال؟

في 29 شتنبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة. وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. وفقاً للفصل 47 من الدستور المغربي. وجاء التعيين بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026. والتي تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً. وبذلك دخل المغرب تجربة سياسية جديدة على مستوى رئاسة الحكومة. وأصبحت المرأة في قلب واحدة من أهم مؤسسات السلطة التنفيذية في الدولة.

غير أن السياسة لا تتحرك دائماً في المجال الدستوري وحده. فما إن ظهرت المنصوري في موقع رئاسة الحكومة حتى عاد إلى الواجهة سؤال فقهي قديم يتعلق بولاية المرأة، واستُحضر الحديث النبوي: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وهو حديث صحيح مروي في صحيح البخاري. ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية. لا من التشكيك في صحة الحديث. وإنما من السؤال الأكثر تعقيداً: ما نطاق دلالته؟ وما المقصود بـ«أمرهم»؟ وهل يتعلق الحديث بكل أشكال الولاية السياسية. أم بولاية بعينها وفي سياق تاريخي محدد؟

هذه الأسئلة ليست جديدة. ولم يكن الفقه الإسلامي تاريخياً كتلة واحدة متجانسة في هذه القضية. فقد ذهب جمهور من الفقهاء إلى اشتراط الذكورة في الإمامة العظمى. بينما ظهرت داخل التراث الفقهي آراء أكثر تفصيلاً في شأن القضاء وبعض الولايات والوظائف العامة. ولذلك فإن اختزال التراث كله في موقف واحد لا يخدم البحث. كما أن اختزال المسألة في القول إن الحديث يمنع المرأة من كل مسؤولية عامة هو أيضاً تبسيط لقضية فقهية أكثر تركيباً.

ولعل أكثر النصوص القرآنية حضوراً في هذا النقاش هي قصة ملكة سبأ. أو بلقيس. في سورة النمل. فالقرآن لا يقدمها باعتبارها شخصية هامشية في مجتمعها. وإنما يقدمها في موقع القيادة، ويعرض طريقة تعاملها مع أخطر قرار سياسي واجه مملكتها. تقول: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ»

هذه الآية شديدة الأهمية، ولكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالقرآن لا يسمي هذا النظام «ديمقراطية» ولا يتحدث عن برلمان بالمعنى الحديث. ولا يقدم نموذجاً دستورياً مطابقاً للدولة المعاصرة. إنما يعرض أمامنا مشهداً من التشاور والتداول السياسي واستحضار رأي أصحاب القرار قبل اتخاذ قرار مصيري. ولذلك يمكن للباحث أن يستأنس بالقصة في النقاش حول قيمة الشورى والعقل السياسي. لكنه لا ينبغي أن يحولها إلى نسخة قرآنية جاهزة من النظام الديمقراطي الحديث.

الأهم من ذلك أن القرآن لم يجعل وجود امرأة على رأس قومها مناسبة لإدانتها بسبب جنسها. بل إن السرد القرآني يتابع عقلها السياسي. وحسابها لعواقب الحرب. واختيارها وسيلة دبلوماسية قبل الوصول إلى المواجهة. ثم تنتهي القصة بإعلانها إسلامها لله رب العالمين. وهذه المعالجة القرآنية تفتح سؤالاً مهماً: إذا كان القرآن قد قدم امرأة في موقع الحكم. وجعل خطابها السياسي جزءاً من بنية القصة، فلماذا ينبغي أن نعتبر مجرد كونها امرأة دليلاً بذاته على عدم صلاحيتها لتدبير الشأن العام؟

لكن الإنصاف العلمي يقتضي في الوقت نفسه ألا نحول قصة بلقيس إلى نص فقهي مباشر يقرر حكماً دستورياً معاصراً. فالقصة القرآنية ليست قانوناً انتخابياً. وليست نصاً صريحاً في شروط رئيس الحكومة أو رئيس الدولة. إنها قصة قرآنية ذات دلالات أخلاقية وسياسية وحضارية. ويمكن أن تختلف القراءات الفقهية والفكرية في كيفية توظيفها في النقاش المعاصر.

وهنا تظهر قضية «شرع من قبلنا» وهي أيضاً ليست بالبساطة التي تقدم بها أحياناً. فالأصوليون اختلفوا في حجية شرائع الأمم السابقة إذا وردت في القرآن أو السنة ولم يرد في شريعتنا نص صريح بإقرارها أو نسخها. ولذلك لا يصح بناء حجة قطعية على قاعدة تقول إن قصة بلقيس تمثل «شريعة سابقة» ثم تنتهي المسألة. الأدق أن يقال إن القرآن نفسه حفظ هذه القصة وأعاد تقديمها ضمن خطابه، وأن الاستفادة منها في النقاش السياسي المعاصر تحتاج إلى اجتهاد وتأويل. لا إلى ادعاء وجود نص فقهي مباشر.

وفي المقابل لا يصح أيضاً استعمال آية القوامة في سورة النساء باعتبارها نصاً مباشراً في منع المرأة من القيادة السياسية. فالآية تقع في سياق العلاقات الزوجية والأسرة. وأي انتقال منها إلى المجال السياسي يحتاج إلى بناء فقهي مستقل يبرر هذا الانتقال. ومن هنا فإن النقاش المنهجي ينبغي أن يميز بين النص الذي يتحدث عن الأسرة، والنص الذي يتحدث عن الحكم. والنص الذي يقدم قصة ذات دلالة سياسية.

وفي هذا السياق. تكتسب مواقف بعض الفقهاء والمفكرين أهمية خاصة. لأنها تكشف أن التراث لم يكن دائماً مغلقاً على قراءة واحدة. فقد ناقش بعض الفقهاء مسألة تولي المرأة القضاء أو بعض الولايات بتفصيل. ونقلت كتب الفقه خلافاً حول حدود ما يمكن أن تتولاه المرأة من وظائف عامة. وهذا الخلاف التاريخي مهم لأنه يبين أن المسألة لم تكن في جميع تفاصيلها محل إجماع واحد.

أما ابن رشد. فإن حضوره في هذا النقاش أكثر وضوحاً من كثير من الأسماء التي تُستدعى بصورة عامة. ففي كتابه «الضروري في السياسة» يناقش وضع المرأة وقدراتها، ويذهب إلى أن النساء. إذا كانت لديهن الاستعدادات والملكات المناسبة. يمكن أن يؤدين أعمالاً لا تقل أهمية عن الأعمال التي يؤديها الرجال. ويذكر ضمن ذلك إمكان أن يكنّ محاربات وفيلسوفات وحاكمات. كما ينتقد القيود الاجتماعية التي تحصر المرأة في وظائف محددة وتمنع المدينة من الاستفادة من نصف طاقتها البشرية.

وهذا لا يعني أن ابن رشد كان يكتب بلغة الدولة الحديثة أو يدافع عن مفهوم المساواة السياسية كما نفهمه اليوم. إسقاط المصطلحات المعاصرة عليه بصورة مباشرة سيكون إسقاطاً تاريخياً غير دقيق. لكن من المشروع فلسفياً أن نتوقف عند السؤال الذي يطرحه: هل الاختلاف في الجنس يكفي وحده لتحديد القدرة على ممارسة الوظائف السياسية، أم أن الاستعداد والقدرة والكفاءة عناصر أكثر أهمية؟

أما الفارابي، فالأمر يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. ففي حديثه عن المدينة الفاضلة والرئيس الأول، ركز على صفات عقلية وأخلاقية وجسدية ومعرفية متعددة، مثل الفهم والذكاء والقدرة على التعلم والصدق والعدل وحسن التدبير والعزم. غير أنه لا يصح أن ننسب إليه. من دون نص صريح. نظرية مكتملة تقول إن المرأة يمكن أن تتولى رئاسة الدولة. ولذلك فإن استدعاء الفارابي في هذا النقاش ينبغي أن يكون من باب تحليل معايير القيادة التي وضعها. لا من باب اختراع موقف لم يصرح به.

ومن هنا يصبح الخلاف أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين «الدين» و«الحداثة» فداخل التراث نفسه توجد قراءات متعددة. وداخل الفقه توجد تفاصيل وخلافات. وداخل الفلسفة الإسلامية أسئلة عن طبيعة الإنسان والمدينة والسلطة، بينما جاءت الدولة الحديثة لتعيد تعريف الوظائف السياسية على أساس المؤسسات والاختصاصات والقواعد الدستورية.

وقد ظهر هذا البعد بوضوح في النقاش المغربي الأخير. فمصطفى الرميد، في حديثه عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري. لم يقدم المسألة باعتبارها صراعاً بسيطاً بين حديث نبوي وواقع سياسي. بل أشار إلى أن الحديث محل نقاش في تنزيله على مختلف أشكال السلطة. وميّز بين رئاسة الدولة العليا وبين رئاسة الحكومة في النظام السياسي المغربي. واستحضر في الوقت نفسه قصة ملكة سبأ وما تتضمنه من تشاور وتدبير سياسي.

وهذا التفريق مهم، لأن النظام الدستوري المغربي لا يضع رئيس الحكومة في موقع السلطة العليا للدولة. فالدستور يحدد اختصاصات الملك ورئيس الحكومة والحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة. ويجعل ممارسة السلطة مرتبطة بمؤسسات واختصاصات دستورية محددة. كما ينص الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة. بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وعلى سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة.

ومن ثم فإن السؤال الذي يواجهه المغرب اليوم ليس فقط: هل يجوز للمرأة أن تحكم؟ بل أيضاً: ما معنى «الحكم» في الدولة الحديثة؟ وهل رئيس الحكومة هو صاحب السلطة المطلقة. أم أنه يمارس اختصاصات محددة داخل منظومة دستورية تتوزع فيها الصلاحيات بين مؤسسات متعددة؟

وهنا يصبح الفرق بين الدولة القديمة والدولة الحديثة جوهرياً. ففي المجتمعات التي كان مفهوم السلطة فيها يتمحور حول شخص الحاكم. كان سؤال جنس الحاكم جزءاً مركزياً من شروط الولاية. أما الدولة الدستورية الحديثة. فإنها تقوم على المؤسسات والقوانين وتوزيع الاختصاصات وآليات الرقابة والمساءلة. ولذلك فإن نقل الأحكام التي نشأت في سياقات تاريخية مختلفة إلى الدولة المعاصرة يحتاج إلى اجتهاد يراعي تغير بنية السلطة نفسها.

غير أن هذا لا يعني أن النصوص القديمة فقدت معناها. كما لا يعني أن الدولة الحديثة ألغت النقاش الفقهي. المسألة أعمق من ذلك. فالنص الديني يظل حاضراً في الوعي العام. والفقه يظل جزءاً من التاريخ الفكري للمجتمعات الإسلامية. بينما يحدد الدستور الإطار القانوني الذي تتحرك داخله مؤسسات الدولة. والتحدي الحقيقي هو كيف يمكن إدارة العلاقة بين هذه المستويات من دون أن يتحول أحدها إلى أداة لإلغاء الآخر.

إن قصة بلقيس. بهذا المعنى. لا تقدم لنا دستوراً جاهزاً للدولة الحديثة، لكنها تقدم سؤالاً أقدم من الدساتير نفسها: كيف يتخذ الحاكم القرار؟ هل يستبد برأيه. أم يستمع إلى من حوله؟ هل يقيس نتائج الحرب والسلم؟ هل يستعمل القوة قبل استنفاد وسائل العقل؟ وهل قيمة القيادة في جنس صاحبها أم في قدرته على تحمل مسؤولية القرار؟

ولذلك فإن عبارة بلقيس: «ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون» تستحق أن تُقرأ اليوم باعتبارها سؤالاً في فلسفة السلطة، لا مجرد آية تستعمل في سجال فقهي عابر. إنها تضع أمامنا نموذجاً للقرار الذي يمر عبر الاستشارة والتداول قبل الحسم. أما تحويلها إلى «ديمقراطية» بالمفهوم الدستوري الحديث. فذلك يتجاوز النص. وبين الأمرين مسافة ينبغي احترامها.

كما أن الحديث النبوي لا ينبغي أن يتحول إلى خصم للقرآن في معركة أيديولوجية. فالحديث الصحيح جزء من التراث الإسلامي. والمسألة العلمية هي فهم سياقه ودلالته ومجال تنزيله. لا نفيه لمجرد تعارض ظاهري مع قراءة معاصرة. وفي المقابل. لا ينبغي أن تتحول رواية تاريخية أو قراءة فقهية واحدة إلى قاعدة تمنع كل اجتهاد جديد في جميع صور الدولة والسلطة.

إن قوة النقاش لا تأتي من رفع الصوت. بل من دقة السؤال. وإذا كانت الدولة المغربية قد اختارت. وفق دستورها ومؤسساتها. أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة. فإن النقاش الفكري الذي يرافق ذلك ينبغي أن يكون أرقى من مجرد سجال بين مؤيد ومعارض. إنه نقاش حول معنى السلطة. وحدود النص. وطبيعة الاجتهاد. وتطور المؤسسات. وموقع المرأة في المجال العام.

وفي النهاية. ربما لا تكون المسألة الحقيقية هي: «هل المرأة تصلح للحكم أم لا؟» بل: «ما الذي يجعل الإنسان صالحاً لتحمل مسؤولية الحكم؟» فإذا كان الجواب هو الكفاءة والقدرة على التدبير والنزاهة وتحمل المسؤولية واحترام القانون والقدرة على اتخاذ القرار. فإن السؤال عن الجنس يصبح سؤالاً آخر يحتاج إلى حجة مستقلة، لا إلى افتراض مسبق.

أما إذا كان الموقف الفقهي يرى أن بعض أشكال الولاية تشترط الذكورة. فذلك موقف يمكن مناقشته داخل أصوله ومصادره وحدوده التاريخية. من دون السخرية منه أو تحويله إلى ممثل وحيد للإسلام. وفي الاتجاه المقابل. فإن القول بأهلية المرأة السياسية لا يحتاج إلى إعادة تسمية قصة بلقيس «ديمقراطية قرآنية»، ولا إلى تحميل ابن رشد أو الفارابي ما لم يقولاه صراحة.

بين النص والتاريخ والدستور، تظل المسافة مفتوحة أمام العقل. وربما تكون قيمة السياسة الحديثة. في أحد وجوهها. أنها تنقل السؤال من «من يملك السلطة بحكم جنسه أو نسبه؟» إلى «كيف تُمارس السلطة، ومن يراقبها، وبأي قانون، ولأي غاية؟»

وهنا تعود بلقيس. بعد قرون طويلة. لا باعتبارها جواباً نهائياً عن قضية ولاية المرأة، وإنما باعتبارها سؤالاً مفتوحاً عن عقل الحاكم. وأخلاق السلطة. وحق المجتمع في أن يُسمَع صوته قبل أن يُتخذ القرار.

فهي لم تقل: أنا امرأة ولذلك لا أستطيع أن أحكم. ولم تقل أيضاً: أنا الحاكمة ولذلك لا أحتاج إلى أحد.

قالت: «ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون»

وربما كان في هذه الجملة. أكثر من أي شعار سياسي حديث. ما يكفي لفتح النقاش من جديد.