مجتمع وحوداث

عندما تجاوز التخييمُ زمنَه.. حين لم تكن الخيمة نهاية المشروع...

سفيان الداودي (باحث في مجال الطفولة والشباب والتخييم)
ماذا يعني أن نعود اليوم إلى وثيقة عن التخييم تعود إلى سنة 1946؟


هل نبحث فيها فقط عن أسماء مراكز اندثرت وأرقام أطفال مروا من الجبل والبحر؟ أم نحاول أن نفهم كيف كان يُفكَّر آنذاك في الطفولة والشباب، وفي التربية خارج المدرسة، وفي علاقة الطفل بالطبيعة والجماعة؟


والسؤال الأكثر إلحاحا: كيف أمكن، في مغرب 1946، التفكير في شبكة متنوعة من مراكز التخييم، وفي مخيمات بحرية لم تكن قد وُجدت بعد، وفي التزلج ومدرسة الجبل، بينما ما تزال اليوم أسئلة وظيفة التخييم وأهدافه التربوية مطروحة؟


- 1946: التخييم في زمن التحولات


كان العالم يخرج من الحرب العالمية الثانية، وكانت قضايا الطفولة والشباب والتربية الشعبية وإعادة بناء المجتمع تحتل موقعاً متقدماً في النقاش العام. وفي المغرب، كان المجتمع يعيش بدوره تحولات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة.


في هذا السياق تأتي وثيقة M. Nouvel، «Les camps et colonies de vacances au Maroc» المنشورة سنة 1946 في Bulletin Économique et Social du Maroc. وهي وثيقة تكشف أن التخييم لم يكن مجرد إقامة موسمية، بل كان مجالاً تتقاطع فيه الإدارة، والجمعيات، وحركات الشباب، والمدرسة، والتربية، والنقل، والصحة والتكوين.


- التخييم لم يكن مجرد خيمة


تكشف الوثيقة عن شبكة متعددة الفاعلين: مصلحة الشباب والرياضة، Association des colonies de vacances، حركات الشباب، جمعيات اجتماعية ومدرسية، ومؤسسات أخرى.


وكان دور مصلحة الشباب والرياضة لا يقتصر على تدبير المخيمات مباشرة، بل يشمل توفير المواقع والتجهيزات والنقل والتموين والخدمات الصحية، ومساعدة التنظيمات التي تتولى تأطير الأطفال والشباب.


وهنا تظهر فكرة تستحق التأمل اليوم: البنية التحتية لم تكن منفصلة عن المشروع التربوي، والتأطير لم يكن تفصيلاً ثانوياً.


- حركات الشباب: تعدد التنظيمات واتساع الاستفادة


تظهر في الوثيقة أسماء عدد من مكونات الحركة الشبابية الفرنسية، مثل Scouts de France وÉclaireurs de France وÉclaireurs Unionistes وFédération des Éclaireuses وGuides de France، إلى جانب تنظيمات مرتبطة بـ Action Catholique مثل J.E.C. وJ.O.C.F. وÂmes Vaillantes وCœurs Vaillants.


كما حضرت التنظيمات اليهودية، ومنها Alliance Israélite وAssociation de la Jeunesse Juive Charles Netter.


أما الأطفال المسلمون المغاربة، فتسجل الوثيقة اتساعاً كبيراً في استفادتهم من التخييم؛ إذ انتقل عدد الأطفال المسلمين ضمن إحدى فئات المستفيدين من 60 سنة 1945 إلى 1,120 سنة 1946، كما استفاد أكثر من 1,700 طفل مسلم من إقامات جبلية أو شاطئية طويلة.


ولا تقدم الوثيقة، في المقابل، أسماء تنظيم شبابي مغربي مسلم مشارك في المخيمات بالمستوى نفسه من التفصيل؛ ولذلك ينبغي أن نترك هذا الباب مفتوحاً أمام وثائق أخرى، بدل إسقاط تنظيمات لاحقة على سنة 1946.


وهنا تكمن أهمية القراءة التاريخية: فالتوسع في استفادة الأطفال المسلمين كان تحولاً مهماً، لكنه ظل جزءاً من سياق استعماري بما يحمله من تناقضات وفوارق.


- من خرزوزة وصفرو إلى البحر


في الأطلس المتوسط، تكشف الوثيقة عن شبكة مراكز لافتة: رأس الماء Ras el Ma، بن صميم Ben Smine، عين خرزوزة Aïn Kharzouza، وعين كحلة Aïn Khala.


وتبرز عين خرزوزة بشكل خاص وقوي، إذ استقبلت حوالي 1,300 مستفيد سنة 1946، وكانت تتوفر على مرافق للتدبير والتموين والمستوصف وحوالي ثلاثين كوخا.


لكن التجربة لم تتوقف عند المراكز الكبرى. ففي صفرو Sefrou استفاد 148 طفلا من إقامة نظمتها Aide scolaire de Casablanca، كما استعملت الكهوف الطبيعية في تجربة تخييمية لافتة. 

وفي إيموزار Immouzer استفاد 89 طفلا من إقامة نظمتها جمعية عائلية فرنسية بفاس، بينما أنشأ Cœurs Vaillants مركزا في تيوْملّيلين قرب أزرو.


أما البحر، فكان حاضرا في سلا Salé ومازاكان Mazagan وتغازوت Taghazout. وتصف الوثيقة تغازوت كمركز يضم 14 كوخا بطاقة تصل إلى 140 طفلا، ويمكن أن ترتفع بالخيام إلى حوالي 200، مع استقبال مئات الأطفال خلال الموسم.


إذن، لم يكن التخييم الجبلي وحده حاضرا؛ كانت هناك بالفعل خريطة شاطئية للتخييم.


- التفكير في التخييم الذي لم يوجد بعد انذاك.


الأكثر دلالة في الوثيقة أن مصلحة الشباب والرياضة لم تكن قد أنشأت بعد مخيمات للألعاب المائية بالمعنى الكامل، لكنها كانت قد بدأت في الرباط والدار البيضاء أنشطة بحرية وقوارب شراعية، وكانت تفكر في إنشاء مخيمات للألعاب والرياضات المائية مفتوحة في وجه الشباب من مختلف مناطق المغرب.


هذه الفكرة ربما هي أهم ما يمكن أن نتعلمه من وثيقة 1946:


لم يكن السؤال فقط: ماذا نملك؟ بل أيضا : ماذا نحتاج أن نبني كفعل تربوي مستقبلي للطفل ؟


والأمر نفسه نراه في المراكز التخييمية الشتوية التي كانت تمارس التزلج في أوكايمدن Oukaïmeden، بوردج دوميرغ Bordj Doumergue وتافرت Taffert، وفي مدرسة الجبل بـ تاشديرت Tachdirt.


لقد كان التخييم يتجاوز مفهوم العطلة الصيفية فقل بل صار يميل نحو التعلم والمغامرة والمهارة واكتشاف الطبيعة طيلة السنة.


- أرقام الوثيقة مهمة لكن الطفل أهم.


تتحدث الوثيقة عن أكثر من 4,000 شاب قضوا ثلاثة أسابيع على الأقل في الجبل أو البحر خلال موسم 1946، وعن آلاف الأطفال المستفيدين من مختلف أشكال التخييم.


لكن الرقم، مهما كان مهما، لا يخبرنا بكل شيء.


ماذا كان يتعلم الطفل؟

كيف كان يعيش الجماعة؟

ما الذي كان يفعله المؤطر؟

ماذا كان يبقى من تجربة المخيم بعد العودة؟


هذه الأسئلة التي لا تجيب عنها الوثيقة تفتح مجالا واسعا أمام تاريخ الطفل وتاريخ المؤطرين وتاريخ التربية خارج المدرسة.


- ماذا نتعلم اليوم؟


بعد ثمانين سنة، تغير المغرب وتغيرت الطفولة. لذلك لا يتعلق الأمر باستنساخ تجربة 1946، بل بفهم بعض مبادئها:


أن نبدأ بالطفل لا بالمركز؛ أن نربط التجهيز بالمشروع التربوي؛ أن نعيد الاعتبار إلى تكوين المؤطر؛ أن نجعل الطبيعة فضاء للتعلم؛ وأن نعتبر التقييم بداية للموسم المقبل وليس نهايته.


والأهم أن التخييم لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأطفال الذين مروا من بوابته، بل بما تركته التجربة في شخصياتهم وعلاقتهم بأنفسهم وبالآخرين وبالمجتمع.


- من الذاكرة إلى مادة للبحث العلمي


ولعل هذا هو الرهان الأوسع من وراء هذه الكتابات المتتالية حول تاريخ التخييم بالمغرب: أن نبدأ عملية نبش هادئة ومنهجية في ذاكرة هذا المجال، واستعادة وثائقه وأسماء مراكزه وتجارب مؤطريه وأطفاله، قبل أن تختفي كثير من الشهادات والوثائق من الذاكرة الجماعية.


فالتخييم المغربي ليس مجرد ممارسة موسمية، بل جزء من تاريخ التربية والشباب والمجتمع، وتاريخ العلاقة بين الدولة والجمعيات والمدرسة والأسرة والطفولة والطبيعة.


ومن هنا، فإن جمع الوثائق القديمة، ومقارنتها، والتحقق من معطياتها، وربطها بسياقاتها التاريخية، يمكن أن يحول هذه الذاكرة المتناثرة إلى مادة علمية قابلة للاستثمار في الدراسات الجامعية والأبحاث الأكاديمية.


فما نحتاجه ليس فقط أن نحكي تاريخ مراكز التخييم، وإنما أن نؤسس تدريجيا لتاريخ علمي للتخييم في المغرب: متى بدأ؟ كيف تطور؟ من كان يؤطره؟ من كان يستفيد منه؟ كيف تغيرت فلسفته التربوية؟ وما علاقة تحولات المجتمع المغربي بتحولات التخييم؟


إن نشر هذه الوثائق ليس نهاية البحث، بل دعوة للباحثين في الجامعات ومراكز الدراسات إلى فتح هذا المجال أمام أطروحات ورسائل جامعية وأبحاث تاريخية وتربوية واجتماعية.


فما نكتبه اليوم في الصحافة قد يصبح، إذا جُمع ووُثق ونوقش علميا، جزءا من أرشيف الغد لتاريخ الطفولة والشباب والتخييم في المغرب.


- من 1946 إلى 2026: السؤال ما زال مفتوحا


إذا كان المخيم مجرد مكان للإقامة، فإن الخيمة تكفي.


أما إذا كان مشروعا تربويا، فإن الخيمة ليست سوى البداية.


ولهذا فإن العودة إلى وثيقة 1946 ليست حنينا إلى الماضي، وإنما محاولة لفهم كيف كان البعض يفكر في التخييم الذي لم يوجد بعد.


والسؤال الذي يبقى لنا اليوم هو:


هل نملك نحن أيضا الجرأة على التفكير في التخييم الذي لم يوجد بعد؟


فحين لم تكن الخيمة نهاية المشروع، كان السؤال الحقيقي دائما هو:


ماذا نريد أن نفتح أمام الطفل من إمكانات للمستقبل؟

المصدر الأساسي:

M. Nouvel, Les camps et colonies de vacances au Maroc, Bulletin Économique et Social du Maroc, 1946.