قضايا

المحروقات ترتفع… والحكومة تتغير، لكن هل تغيرت قواعد اللعبة؟

حنان فرطاس (نائبة برلمانية)

لا تبدأ الحكاية من ثمن اللتر، بل من التوقيت. 29 شتنبر: عُيّنت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكُلّفت بتشكيل الحكومة الجديدة. 30 شتنبر: عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، يترأس اجتماعاً حول تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة. 1 أكتوبر: زيادة جديدة في أسعار المحروقات. ثلاثة أيام فقط تفصل بين تعيين رئيسة حكومة جديدة، وترؤس رئيس الحكومة المنتهية ولايتها اجتماعاً حول ملف الطاقة، ثم تسجيل زيادة جديدة في أسعار المحروقات.

المنصوري لم تكن قد شكّلت حكومتها بعد، ولذلك لا يمكن تحميلها قراراً لم تتخذه. وفي المقابل، كان أخنوش لا يزال رئيساً للحكومة خلال تلك المرحلة الانتقالية، وكان ملف الطاقة ضمن الملفات التي تدبرها الحكومة المنتهية ولايتها. وهنا تبدأ القراءة السياسية للتوقيت، لا قراءة الأرقام فقط.

والأهم أن أخنوش لم يكن اسماً عادياً في ملف المحروقات. فهو رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، وفي الوقت نفسه رجل أعمال له ارتباط معروف بقطاع الوقود، وهي نقطة ظلت حاضرة في النقاش العام والصحافة الدولية خلال المرحلة السابقة. بل إن Le Monde رصدت، قبيل انتخابات 23 شتنبر، أن الهجمات الأكثر حدة على أخنوش جاءت حتى من داخل الأغلبية التي حكمت معه، وأن أسعار المحروقات والقدرة الشرائية دخلا بقوة في الصراع حول حصيلة ولايته. كما وصفت فوزي لقجع، الذي كان وزيراً للميزانية في الحكومة السابقة ثم انضم إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بأنه أصبح أحد أبرز الوجوه المناوئة لأخنوش داخل المشهد السياسي.

ثم جاءت الانتخابات وتغيّر ميزان القوى. حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعداً، وعُيّنت المنصوري رئيسة للحكومة، ودخل المغرب مرحلة جديدة من مفاوضات تشكيل الأغلبية. وكتبت Le Monde أن المنصوري تواجه تحدي تشكيل ائتلاف في ظل عدم امتلاك حزبها للأغلبية، فيما أصبح فوزي لقجع أحد الأسماء المركزية في الملفات الكبرى، خصوصاً ملف التحضير لكأس العالم 2030.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل العامل الدولي. أسعار النفط والديزل كانت تعيش ضغطاً حقيقياً بفعل التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات، وReuters رصدت في نهاية شتنبر وبداية أكتوبر مخاوف متزايدة بشأن أسواق الطاقة وإمدادات الوقود، فيما كانت l’Agence internationale de l’énergie (AIE) تتابع إمكانية اللجوء إلى مزيد من الاحتياطيات الاستراتيجية إذا اقتضت ظروف السوق ذلك. إذن، الزيادة لا يمكن اختزالها في قرار سياسي مغربي؛ لكن السؤال المغربي يبقى قائماً: لماذا جاء هذا التوقيت بالذات، ومن يتحمل كلفته السياسية؟

هنا تحديداً يصبح أخنوش محور القراءة. فهو يغادر رئاسة الحكومة في لحظة ترتفع فيها المحروقات، بعد أن كان هذا الملف من أكثر الملفات التي تعرض بسببها للنقد خلال ولايته، ثم تنتقل المسؤولية السياسية إلى حكومة جديدة ستجد نفسها منذ بدايتها أمام ضغط الأسعار والقدرة الشرائية. هل هي مجرد مصادفة زمنية فرضتها السوق الدولية؟ أم أن نهاية مرحلة سياسية تتزامن، بشكل لافت، مع انتقال المسؤولية عن ملف كان عنواناً أساسياً للصراع عليها؟ لا توجد وثيقة تسمح بتحويل هذا السؤال إلى اتهام، لكن لا يوجد أيضاً ما يمنع من طرحه.

وهنا تزداد أهمية ملف المحروقات نفسه. ففي 2023، أنهى le Conseil de la concurrence مساطر نزاعية ضد تسع شركات ومنظمتها المهنية عبر اتفاقات صلح بلغت قيمتها الإجمالية 1.840 مليار درهم، مع التزامات تتعلق بتحسين سير المنافسة والوقاية من مخاطر المساس بها. وهذا لا يعني أن المجلس أثبت وجود تلاعب في الزيادة الحالية، لكنه يعني أن سوق المحروقات ليست ملفاً عادياً، وأن الشفافية والمنافسة فيهما سؤال مؤسساتي مستمر.

أما الحديث عن «تصفية حسابات»، فيحتاج إلى دليل، وليس إلى مجرد تزامن. لكن ما يمكن ملاحظته أن هناك إعادة ترتيب سياسية واضحة: أخنوش خرج من رئاسة الحكومة، المنصوري دخلت مرحلة تشكيل حكومة جديدة، ولقجع أصبح أحد الأسماء البارزة في المعادلة السياسية الجديدة، بينما ملف المحروقات نفسه لم يغادر الطاولة.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأكثر ذكاءً هو: من رفع ثمن المحروقات؟ بل: من يرث الملف؟ ومن يرث كلفته السياسية؟ ومن يملك القدرة على تغيير قواعده؟

لأن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة. وقد يكون أخطر ما في هذه اللحظة ليس ارتفاع ثمن اللتر، بل أن تتغير الوجوه حول الطاولة بينما تبقى القواعد نفسها تحت الطاولة.

التوقيت لا يدين أحداً… لكنه يفتح الأسئلة.

والأرقام لا تتهم أحداً… لكنها تمنع دفن الأسئلة.

فهل نحن أمام أزمة طاقة عالمية وصلت إلى المغرب في توقيت سياسي شديد الحساسية؟ أم أمام لحظة انتقال سياسي تحمل معها أيضاً إعادة توزيع للمسؤوليات والحسابات؟

  هنا بالضبط… يبدأ ما يُقرأ بين السطور.