تحذر الجزائر من أي قرار لمجلس الأمن يكرس سيادة المغرب على صحرائه، في مفارقة لبلد يقدم نفسه كـ "جار وملاحظ" فقط، بينما شارك منذ بداية السنة في ثلاث جولات من المفاوضات على أساس المشروع المغربي، الذي لا يمكن تصوره إلا في إطار السيادة المغربية.
تنفي الجزائر أن تكون لها أي مصالح في هذا الملف، متذرعة بما تسميه "مبادئ" القانون الدولي - أو ما يمكن وصفه بـ "النِيف" الذي حان الوقت لحذفه عن طريق الجراحة - مدعية بذلك أنها تجسد الضمير القانوني للمجتمع الدولي.
وتهدد الجزائر مجلس الأمن عشية 31 أكتوبر الجاري، وهو التاريخ الذي ستعلن فيه هذه الهيئة الأممية المكلفة بالسلم العالمي قرارها الجديد حول قضية الصحراء. ومن المفترض أن يأتي هذا القرار استمرارا للقرار 2797، وأن يسجل رفض الجزائر والبوليساريو الانخراط في المسار الذي حدده المجلس. ومن المرجح أن يتخذ المجلس إجراءات لفك حالة الجمود، بل وتكريس الحكم الذاتي كخيار أوحد لتسوية هذا الملف الذي عمر نصف قرن بفضل "إخواننا" الجزائريين، الذين ضخوا، حسب اعتراف الرئيس تبون نفسه، مليارات الدولارات لخلق جمهورية وهمية جنوب المغرب والوصول إلى المحيط الأطلسي.
وبأكثر من مليوني كيلومتر مربع ترقد في بور أبدي، لا تزال الجزائر تحلم، في مفارقة عجيبة، بابتلاع أراضي جيرانها، وهي التي تعيش على وقع نزاعات حدودية مع كل من يحيط بها.
ويقول ممثل الجزائر في نيويورك بإصرار شديد: "لا يحق لأي طرف منح السيادة، ولا حتى لمجلس الأمن"، وهو يرفض حتى اليوم الاعتراف بالقرار 2797.
غير أن مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هو وحده المخول له معاينة وجود تهديد للسلم العالمي، وبموجب المواد 39 و40 و41 و42 من الميثاق نفسه، هو وحده من يختار التدابير الكفيلة بوضع حد لهذه التهديدات. وفي الحالة الراهنة، فإن البوليساريو نكث وقف إطلاق النار، ويشن اعتداءات ضد المغرب، ويستفيد من دعم لوجستي لدول ومجموعات تدعم الإرهاب الدولي.
وإذا اعتبر مجلس الأمن أن استمرار نزاع الصحراء يهدد الاستقرار الإقليمي (المغرب الكبير، الساحل، الواجهة الأطلسية)، فإنه يمكنه أن يأمر بالحل الذي يراه الأكثر واقعية لإغلاق هذا الملف. وهذا هو منطق القرار 2797: الانتقال من تدبير النزاع إلى تسويته، تسوية تضمن في النهاية التعبير الحر للسكان المدعوين للمصادقة على مخطط الحكم الذاتي.
إن الاستمرار اليوم في المرافعة من أجل تقرير المصير بمفهومه المتجاوز، هو من جهة تجاهل للقرار 2797 الذي يجعل من مخطط الحكم الذاتي المغربي أساسا وحيدا للمفاوضات، ومن جهة أخرى عرقلة لأي تقدم في تسوية هذا الملف.
وبعد مرور أكثر من خمسة عقود، يظل الموقف الجزائري محصورا في فهم أحادي لتقرير المصير، مع رفضه المستمر لأي إحصاء لساكنة مخيمات تندوف من طرف المفوضية السامية للاجئين، تفاديا لانكشاف حقيقة الأرقام المضخمة.
لقد تجاوزت الممارسة الدولية تطبيق تقرير المصير بمفهومه القديم في عدة حالات. فالحكم الذاتي هو شكل عصري لتقرير المصير أثبت نجاعته في إسبانيا وألمانيا وبلدان أخرى.
فكيف للجزائر أن تجعل من هذا التأويل المتجاوز شرطا تعجيزيا اليوم، وهي التي انقلبت بالسلاح على تقرير مصير شعبها في يناير 1992، في مأساة وطنية خلفت 350 ألف قتيل، وهي حصيلة تفوق الخسائر البشرية المسجلة في غزة ؟






