سياسة واقتصاد

المرأة في السياسة: حين تحاكم الملامح وتهمش القرارات

مريم جمال الإدريسي (محامية)

حين يصبح لباس المرأة وجسدها وأناقتها وجمالها، أو التعب والعياء الظاهران على وجهها، محور الحديث عن حضورها السياسي، فإن النقاش العمومي يفقد جزءا من وظيفته. تزاح الأسئلة المتعلقة بقراراتها وكفاءتها وحصيلة عملها، لتحتل مكانها تعليقات لا تساعد على فهم السياسات أو تقييم المسؤوليات. وهكذا تختزل صاحبة الموقف في صورتها، ويمنح المظهر سلطة حجب الإنجاز.


تكمن خطورة هذا الاختزال في كونه يعيد إنتاج تصور نمطي قديم للمرأة: يرى ويقيم وجودها من الخارج قبل أن يقر لها بوجود منصف، يستحضر إرادتها وفكرها وقدرتها على الفعل. ومن هنا تكتسب قراءة سيمون دو بوفوار في كتابها «الجنس الآخر» أهميتها، فقد حللت كيف يقدم الرجل باعتباره المرجع الإنساني العام، بينما تعرف المرأة بوصفها «الآخر»، وتحاصر داخل معان اجتماعية تفرض على أنوثتها. وفي ضوء هذه القراءة، يمكن فهم اختزال المرأة السياسية في جسدها باعتباره امتدادا لرفض الاعتراف الكامل بها صاحبة قرار.


إن الفرق الجسدي لا يبرر ترتيبا في القيمة الإنسانية، ولا يمنح أحد الجنسين احتكار العقل أو القيادة أو الاجتهاد. وما يقدم أحيانا بوصفه طبيعة ثابتة للنساء والرجال قد يكون، في جانب منه، حصيلة تنشئة وتوقعات وفرص غير متكافئة، خطط لها اجتماعيا وعرفيا منذ البداية والولادة. لذلك ينبغي مساءلة الأحكام التي تنسب القوة إلى الرجل تلقائيا، وتطالب المرأة بإثباتها في كل مناسبة، مهما راكمت من تجربة وإنجاز، وحتى حين تثبت ذلك تنفتح عيون الاستغراب والتعجب ويقال لها بمقياس ذكوري انت بألف رجل.


وقد تساعد أبحاث علم النفس الاجتماعي على فهم هذه الآلية. فقد وجدت دراسة تجريبية منشورة سنة 2012 حول التحيز ضد القيادات النسائية أن النساء اللواتي يظهرن الحزم والمبادرة قد يقيمن باعتبارهن كفؤات، ومع ذلك يتعرضن لتقييم اجتماعي أقل إيجابية مقارنة برجال يتصرفون بالطريقة نفسها. وتصف الدراسة جانبا من ذلك بأنه «عقوبة الهيمنة»: قبول كفاءة المرأة لا يمنع معاقبتها حين تظهر سلوكا يعد مقبولا من الرجل. وهذه نتائج في سياقات بحثية محددة، وليست حكما مطلقا ينطبق على كل شخص أو مجتمع، لكن الواقع المعاش يفرز دائما سلوكيات مشكلة من توجيهات مخيال ذهني مؤطر بموروث سوسيو ثقافي محكم.


وما يؤكد ذلك تمظهر المفارقة في الخطاب اليومي: حزم الرجل قد يقرأ قيادة، وحزم المرأة تسلطا، وطموحه قد يعد حقا مشروعا، بينما يقدم طموحها بوصفه خروجا عن الحدود المنتظرة منها، أو تمرد على أنوثة لا تسمح إلا بالتودد او الانبطاح.

 وفي هذا السياق، تناولت دراسة تجريبية عن النساء في المناصب السياسية هذه المسألة، فوجدت أن إظهار السعي إلى السلطة يمكن أن يثير ردود فعل سلبية تجاه المرأة تختلف عن تلك الموجهة إلى الرجل. وهذا يدعونا إلى فحص معايير التقييم، عوض افتراض حيادها لمجرد شيوعها.


وفي هذا المناخ، يصبح المظهر أداة سهلة لتبخيس المكانة. إن اعتنت المرأة بأناقتها، قيل إنها منشغلة بصورتها، وإن ظهر عليها التعب، شكك في قدراتها على التحمل والاجتهاد، وإن تقدمت في العمر، أخضعت ملامحها لمقارنات لا صلة لها بجودة عملها. إنها مطالبة بأن تكون حاضرة وفعالة وقوية، وأن تخفي، في الوقت نفسه، كل أثر بشري للجهد والزمن.


لكن التعب لا يجوز أن يقرأ خارج الظروف التي تنتجه. فالنساء اللائي يخضن تجربة الإنجاب يتحملن الحمل والولادة والتعافي، وقد يتحملن الرضاعة أيضا، إلى جانب مسؤولياتهن المهنية والعامة. وتضاف إلى ذلك، لدى كثيرات، أعمال البيت ورعاية الأطفال وكبار السن وتدبير شؤون الأسرة. وهذه الأعمال لا تقتصر على الجهد البدني وحده، بل تشمل التدبير والمتابعة والتذكر وتنظيم تفاصيل الحياة اليومية.


ومن منظور أخلاقي، يطرح سؤال العدالة: كيف نطالب بالمنافسة وفق معايير متساوية، فيما لا تتساوى دائما الأعباء ولا الوقت المتاح ولا وسائل الدعم؟ لا تكفي المساواة الشكلية في فتح أبواب المسؤولية إذا كانت امرأة مطالبة بتحمل عملها العام وإدارة البيت والرعاية، ثم تحاسب لأن ملامحها لم تخف أثر كل ذلك. فالاعتراف بعمل الرعاية ينبغي أن يقود إلى توزيعه بعدالة، وإلى خدمات وحضانات وترتيبات عمل تتيح المشاركة الفعلية.


كما أن الاحتفاء بقدرة النساء على تحمل كل شيء قد يتحول إلى وسيلة لإدامة العبء. لا ينبغي أن يصبح تقدير تضحيات المرأة ذريعة لمطالبتها بمزيد من التضحية. إنها تستحق الدعم والراحة وتقاسم المسؤوليات، مثلما تستحق الاعتراف بالكفاءة.


وعندما تنتقل السخرية من الجسد والعمر والتعب إلى مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، فإنها قد تتجاوز الإساءة الفردية إلى ممارسة تضعف المشاركة السياسية. فالتكرار والتشهير والحملات المهينة تستطيع أن ترفع الكلفة الشخصية للكلام والظهور، وأن تدفع نساء إلى الانسحاب أو التردد في دخول المجال العام. وتتعامل هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع العنف ضد النساء في السياسة باعتباره انتهاكا وعائقا أمام مشاركتهن.


ومع ذلك، ينبغي التمييز بوضوح بين النقد السياسي والإهانة القائمة على النوع. ليست كل معارضة لامرأة تعبيرا عن عداء للنساء، وليست كل ملاحظة على ظهور إعلامي عنفا سياسيا. المعيار هو مضمون الخطاب وسياقه: هل يناقش قرارا وأثرا وواقعة، أم يستعمل الجسد والأنوثة وسيلة للحط من القيمة؟ وهل يطبق على الرجال والنساء بالصرامة نفسها، أم تستدعى معايير خاصة كلما كانت صاحبة المسؤولية امرأة؟


فالمرأة التي تتولى الشأن العام تساءل عن وعودها وتدبيرها وأخطائها واختياراتها. والمساواة تقتضي محاسبتها دون مجاملة، كما تقتضي حمايتها من تحويل المحاسبة إلى تجريح. ولا يقاس إنجازها بأناقتها، مثلما لا يقاس إخفاقها بتعب وجهها. كما لا يلغي الاختلاف مع مواقفها حقها في الكرامة.


وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية في تحديد وجهة النقاش. فالعنوان والصورة والتعليق قد تساعد على فهم قرار سياسي، وقد تحجب القرار خلف لقطة منتقاة للإثارة. والمهنية تقتضي إعطاء الأولوية للموقف والحصيلة والمعلومة، والتوقف عن تقديم تفاصيل المظهر باعتبارها تفسيرا للقدرة على القيادة.


لقد راكمت نساء كثيرات إنجازات دراسية وجامعية ومهنية، وتولين مسؤوليات جماعية وجهوية وبرلمانية وحكومية. ويجب أن يناقش هذا الرصيد بما يستحقه من تقييم جاد، دون افتراض تفوق جنس على آخر، ودون محو العمل لصالح صورة. فالهدف هو أن يصبح الاعتراف بالكفاءة مستقلا عن الصور النمطية التي تحاصر صاحبتها.


للمرأة أن تكون أنيقة وجميلة، ولها أن تبدو متعبة، وأن تتقدم في العمر، وأن تنجح أو تخطئ، دون أن تتحول هذه الصفات إلى حكم مسبق على أهليتها. وحقها في الاحترام قائم بصفتها إنسانا، سواء كانت أما أم لم تكن، وسواء كانت متزوجة او مطلقة، وسواء وافقناها سياسيا أم اختلفنا معها.


إن النضج الديمقراطي يظهر في الأسئلة التي نختار طرحها: ماذا قررت؟ ماذا أنجزت؟ ما أثر سياستها؟ وكيف تتحمل مسؤوليتها؟ أما الانشغال بجسدها وملامحها، حين يحل محل هذه الأسئلة، فيكشف خللا في ثقافة التقييم وفي الاعتراف بحق النساء في السلطة.


وحين يصبح تعب المرأة تهمة، بينما يبقى حجم ما تتحمله خارج النقاش، فإن المجتمع يكون قد أخفق في رؤية العمل، واكتفى بمحاكمة أثره على وجهها.

وحين يصبح التركيز منصبا على جمالها وأناقتها بدل تقدير كفاءتها ومهاراتها السياسية والمهنية والأكاديمية، فإن الأمر يبيت ويصبح عنفا ممنهجا نحو تأطير وجودها في صور نمطية مجحفة.

وفي انتظار تشكيل الحكومة، فإن الرهانات كبيرة والانتظارات مهمة بأهمية الحدث الذي هو رئاسة حكومة من طرف امرأة.