سياسة واقتصاد

نبيل بنعبد الله وزير التعليم الجديد أمام مهمة تفكيك هندسة الأحرار الليبرالية

محمد تكناوي

من المنتظر أن يشرع محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين والتأهيل في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، المعين في 16 أكتوبر 2026، قريبًا، في عقد لقاءات ثنائية مع النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية.


لقاءات تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في العمق لحظة سياسية فارقة. فهي المرة الثانية منذ استقلال المغرب سنة 1956 التي تنتقل فيها حقيبة التعليم، بكل حمولتها الرمزية والاجتماعية، إلى وزير ينتمي إلى حزب التقدم والاشتراكية، الوريث التاريخي للحزب الشيوعي المغربي.


فمنذ 1956، تعاقب على القطاع وزراء من الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتكنوقراط والتجمع الوطني للأحرار، لكن للمرة الثانية فقط يتمكن حزب الكتاب من تولي تدبير المدرسة العمومية كقطاع مستقل. واليوم، يجد بنعبد الله نفسه، وهو القادم من خلفية يسارية ظلت لعقود تدافع عن مجانية التعليم كحق دستوري، أمام تركة ليبرالية ثقيلة تركها مهندسو حكومة عزيز أخنوش.


تركة لا تقاس فقط بميزانية 17 مليار درهم صُرفت لتنزيل اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023، بل تقاس بفلسفة كاملة للتدبير: فلسفة المقاولة، وتسقيف سن الولوج في 30 سنة بمنطق سوق الشغل، وتدبير الخصاص بمنطق المناصب المالية، وتحويل الأكاديميات الجهوية إلى مشغّل بدل مؤسسة عمومية.


وإذا كان الوزير الجديد قد أكد أن الأولوية ستكون للالتزامات السابقة، فإن أول امتحان له لن يكون ماليًا فقط، بل سيكون امتحانًا لفكره السياسي نفسه. هل سيستمر في تمويل نفس الهندسة بكلفة أقل، أم سيقطع معها؟ وتلك هي الأسئلة الأربعة التي ستطارده على طاولة الحوار.


السؤال الأول: مفارقة الـ1000 درهم التي تضع اليسار أمام مرآة المساواة


هذا هو الملف الذي سيحرج بنعبد الله أكثر من غيره. المرسوم الجديد رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 أنهى 12 نظامًا أساسيًا لأطر الأكاديميات وجعل الجميع موظفين عموميين. لكنه خلق داخل نفس الوزارة وضعيتين متناقضتين.


فمتصرفو التربية الوطنية الذين قبلوا تغيير الإطار من الأطر المشتركة بين الوزارات إلى النظام الجديد، طبقًا للمادة 12 من المرسوم، استفادوا فعلًا من التعويض التكميلي عن الدرجة الممتازة (خارج السلم) المحدد في 1000 درهم، بعدما نقله المرسوم رقم 2.24.141 من الرتبة الخامسة إلى الرتبة الثالثة.


بينما زملاؤهم الذين يشتغلون معهم في نفس المكاتب ونفس المصالح، ورفضوا تغيير الإطار وبقوا خاضعين لمرسوم الأطر المشتركة رقم 2.06.377، لم يستفيدوا من أي درهم. السبب ليس ماليًا، بل قانوني بامتياز: تسوية وضعيتهم لا تتطلب مرسومًا قطاعيًا من وزير التربية، بل تعديلًا أفقيًا لنظام الأطر المشتركة يمس كل وزارات الدولة، وهو قرار حكومي بيد وزارة المالية ورئاسة الحكومة.


فهل يقبل وزير تقدمي، جعل من المساواة الأجرية شعارًا انتخابيًا، أن يستمر موظفان في نفس المكتب بنفس المهام بوضعيتين ماديتين مختلفتين فقط لأن أحدهما غيّر الإطار والآخر لم يغيّره؟


نفس المنطق يسري على أساتذة الابتدائي والإعدادي والمختصين التربويين والاجتماعيين (المادة 10 من المرسوم)، الذين أقر لهم المرسوم مبدأ التعويض التكميلي وأحال مبلغه على مرسوم للتعويضات لم يصدر إلى اليوم، والمساعدين التربويين وتعويض 500 درهم.


السؤال الثاني: الأكاديميات بلا قانون.. هل ينهي بنعبد الله الفراغ المؤسساتي الذي خلفه الأحرار؟


هنا مربط الفرس التربوي. حكومة الأحرار أنهت التعاقد كشكل للتشغيل، لكنها أبقت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، المنظمة بالقانون 07.00، كمؤسسات عمومية بلا موظفين تابعين لها وبلا قانون جديد يحدد حكامتها بعدما كانت هي المشغّل.


اليوم، الأكاديميات لها شخصية معنوية واستقلال مالي ومجالس إدارية، لكن بلا نظام أساسي خاص بها كمؤسسة عمومية بعد نسخ أنظمتها الـ12. فهل تفكر وزارة بنعبد الله في إخراج قانون أساسي جديد للأكاديميات يحدد علاقتها بالوزارة وبالجهة وباللامركزية، أم أننا أمام فراغ مقصود لإفراغها من مضمونها؟ جواب هذا السؤال هو الذي سيحدد إن كنا أمام قطيعة حقيقية مع تدبير الأحرار أم مجرد استمرارية بوجه يساري.


السؤال الثالث: 30 سنة في مقرر وزاري ضد 45 سنة في مرسوم حكومي


هذا هو القرار الرمزي الذي ينتظره الشارع. تسقيف سن الولوج لمهن التعليم في 30 سنة، الذي برره الأحرار بضخ دماء جديدة، يصطدم بنص أعلى منه مرتبة، وهو المرسوم رقم 2.02.349 الصادر في 7 غشت 2002، الذي حدد السن الأقصى للتوظيف في الإدارات العمومية في 40 سنة ورفع إلى 45 سنة بمراسيم لاحقة، كما يصطدم بمبدأ المساواة الدستوري.


حزب التقدم والاشتراكية كان أول من وصف القرار بغير الدستوري من موقع المعارضة. واليوم، تشير معطيات مؤرخة في 15 أكتوبر 2026 إلى أن حكومة المنصوري تتجه لإلغائه كأول قرار اجتماعي.


لكن الإلغاء القانوني لا يتم بتصريح، بل بسحب المقرر الوزاري المنظم لمباريات المراكز الجهوية وإصدار مقرر جديد ونشره بالجريدة الرسمية. فهل يجرؤ الوزير ذو الخلفية الشيوعية على إلغاء قرار ليبرالي دافع ضده حزبه لسنوات؟


السؤال الرابع: تقليص ساعات العمل.. بين وعد انتخابي واستحالة تنظيمية


آخر الملفات هو مطلب تقليص ساعات العمل. مطلب يصطدم بقانون التعليم المدرسي الجديد المصادق عليه في 2025-2026، تنزيلًا للقانون الإطار 51.17، والذي أعاد صلاحيات تجديد المناهج للوزارة. فالزمن المدرسي محدد بمراسيم، وأي تقليص يعني مراجعة المناهج وزيادة 20 ألف منصب التي أعلنت عنها الوزارة نفسها في 13 أكتوبر 2025 كخصاص حالي.


باختصار، حوار بنعبد الله لن يكون حوارًا حول مطالب جديدة، بل سيكون أول اختبار لسؤال سياسي كبير: هل انتقال التعليم من حزب يدير المدرسة بمنطق المقاولة والزبون، إلى حزب يدافع عنها بمنطق الحق الدستوري، هو مجرد تغيير في الواجهة، أم بداية تفكيك حقيقي لهندسة ليبرالية عمرت خمس سنوات؟