يبدو أن إشكالية "استدامة الإصلاح"، تشكل واحدة من أبرز عناوين السياسة العامة ببلادنا، فعلى مدى سنوات طويلة، لا يكاد المشهد يتغير، فكلما نصبت حكومة وعين وزراؤها على رأس وزاراتهم، إلا وسارعوا إلى إغلاق أقواس سابقيهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تقييم التجارب السابقة، لترصيد مكتسباتها وإصلاح أعطابها واختلالاتها، ولا يشد عن هذه القاعدة، فيما يبدو، سوى وزراء الصفوة في هرم الدولة، أو من يسمون بوزراء السيادة، فلا الداخلية تغير نهجها، ولا الخارجية تبدل سياستها، ولا الأوقاف تجدد خطابها.
وكم تمنيت أن يكون قطاع التربية والتكوين قطاعا سياديا، ليس بمعنى أن تبسط الدولة يدها عليه، ولا أن يدبر بمنطق التعليمات السلطوية، وإنما بهاجس تحقيق حد أدنى من الاستقرار الذي يضمن استدامة الإصلاح، ويعصم هذا القطاع الحساس من تقلبات السياسة وحساباتها، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون تقيد الحكومات والوزراء بقواعد قانونية صارمة تؤطر برامجهم الإصلاحية وإن اختلفت مرجعياتهم الفكرية أو مشاربهم السياسية.
ولعل ما كرس وضعية اللاستقرار داخل قطاع التربية والتكوين، هو افتقاد المنظومة على مدى عقود طويلة إلى إطار قانوني يحميها من إكراهات الزمن الحكومي، فأقصى ما اعتمدته بلادنا كمرجعيات لتأطير اختياراتها التربوية، لم يكن سوى وثائق وأوراق، هي أقرب إلى خطاب النوايا منه إلى أي شيء آخر، سواء تعلق الأمر بتوصيات اللجان الملكية والمناظرات الوطنية قبل بداية الألفية الثانية، أو بالميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية بعد سنة 2000، فكلها تبقى النهاية مجرد وثائق توافقية لا تتمتع بصفة الإلزام الذي تمتاز به القواعد القانونية، مما برر على الدوام تعطيلها والقفز عليها من قبل الحكومات والوزارات المتعاقبة.
والواضح أن هذا الواقع قد أرخى بظلاله على "النموذج البيداغوجي" للمدرسة المغربية، الذي لم يستقر هو الآخر على حال، بل وتحول إلى نماذج متعددة ومتنافرة، لا رابط بينها ولا تجاوز عمر الواحد منها عدد سنوات الولاية الحكومية التي اعتمد خلالها.
لمعالجة هذه الإشكال البنيوي، شدد ملك البلاد في خطاب افتتاح البرلمان لسنة 2015 على ضرورة القطع مع ما وصفها حينئذ ب "سياسة الإصلاح وإصلاح الإصلاح الذي لا ينتهي"، داعيا الحكومة آنذاك إلى تحويل الرؤية الاستراتيجية 2030-2015 إلى إطار قانوني تعاقدي ملزم للجميع ويلتزم الجميع بتفعيله. وهكذا، وبعد مرور أربع سنوات، وبالضبط في يوليوز 2019، أقر البرلمان المغربي بالإجماع الوثيقة القانونية الأبرز في مسار الإصلاح التربوي؛ ألا وهي القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يعتبر أول قانون في تاريخ المدرسة المغربية، يراد من إقراره إنهاء حالة التضارب التي ميزت السياسات التعليمية، وإلزام مدبري القطاع على الالتزام به كإطار تنضبط له ولخياراته كل السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين.
غير أنه، وبعد سنتين من إقرار القانون المذكور، جاءت حكومة أخنوش سنة 2021، حاملة معها السيد شكيب بنموسى إلى سدة الوزارة، فانتظر المتتبعون والمراقبون أن تعتمد سفينة التعليم بوصلة القانون الإطار، حتى تعصم نفسها من أي انحراف غير محمود العواقب، لكن العكس هو ما وقع للأسف الشديد، فتبدد حلم استقرار الإصلاح الذي كان معولا عليه بعد إقرار القانون، فالوزير بنموسى أبى إلا أن يتركه جانبا، وأن يرسم لنفسه مسارا مختلفا تحت مسمى "خارطة الطريق لإصلاح المدرسة المغربية"، مقدما على ما تخوف منه الكثير من المتتبعين، ومكرسا بذلك خطأ استراتيجيا ما كان لمهندس النموذج التنموي أن يقترفه.
للوقوف على تداعيات هذا الانزياح، نسوق نموذج "مدارس الريادة"، لا لمحاكمة المشروع أو الحكم عليه، وإنما للوقوف على ولادته غير الطبيعية، وربما غير الشرعية، نتيجة تجاوز مهندسيه للمرجعيات القانونية.
لقد كان على الحكومة المنتهية ولايتها ومعها الوزير بنموسى -كسلطة تنفيذية ملزمة باحترام القانون- أن تلتزم بمرجعية القانون الإطار 51.17، وبالضبط المادتين 28 و29 منه، وأن تستحضر أن الوزارة لم تعد هي صاحبة القرار في الشأن البيداغوجي، ولم يعد لها ولا لوزيرها الحق في تغيير البرامج والمناهج بهواه أو هوى من يحيطون به، وأن الأمر ينبغي أن يعود لأصحاب الاختصاص وفقا لمقتضيات القانون الذي لم يوجد إلا ليحترم، وإلا ما الفائدة من هدر الزمن التشريعي في صياغة قوانين ثم تعطيلها؟
لقد كان لزاما أن يوكل موضوع النموذج البيداغوجي للجنة الدائمة لملاءمة المناهج والبرامج، التي نص القانون عليها وعلى صلاحياتها، باعتبارها هيئة تقريرية، لا استشارية كما يظن البعض، فهذه اللجنة، التي تم إقرارها بمقتضى المرسوم رقم 2.20.473 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 8 سبتمبر 2021، هي وحدها صاحبة الاختصاص في كل ما يتعلق بتطوير النموذج البيداغوجي، بدءا من إعداد وتطوير الإطار المرجعي للمنهاج والدلائل المرجعية للبرامج والتكوينات، مرورا بتجديد المناهج والبرامج، وانتهاء بإقرار آليات دائمة لتقييم المنهاج ومراجعته. لكن، ورغم صدور المرسوم الخاص باللجنة في شتنبر 2021، لم يتم تنصيب رئيسها السيد محمد الصغير جنجار وأعضائها إلا في 27 فبراير 2024، وهو تأخير غير بريء وغير مبرر، فقد استعمل كغطاء لاتخاذ قرارات بيداغوجية خارج شرعية القانون، أضف إلى ذلك أن الحكومة لم تفرج على المراسيم التكميلية التي تنظم عمل اللجنة، وهذا يعني أننا كنا أمام عملية وأد للجنة قبل أن ترى النور. وبالمقابل، وخارج أي ضوابط قانونية، وضع مصير النموذج البيداغوجي في يد شخص استقدمه الوزير بنموسى إلى ديوانه، وهو السيد (ي- س)، المهندس الرئيس لمشروع الريادة، الذي تم إحلاله محل هيئة منظمة بالقانون، ليصادر أدوارها وصلاحيتها، دون أي صفة مؤسساتية رسمية. وبموازاة ذلك، تم تعطيل مديرية بأكملها، هي مديرية المناهج، التي كانت بصدد وضع اللمسات الأخيرة على المنهاج الدراسي نسخة يوليوز 2021، قبل أن يباغثها المشروع الجديد، الذي أعد على عجل في مطبخ الديوان ودون أي سابق إعلان.
لقد دفع هذا الوضع المرتبك رئيس اللجنة السيد محمد الصغير جنجار إلى تقديم استقالته، بعد أن وجد نفسه في حالة عطالة دائمة، بدل أن يكون على رأس لجنة دائمة، استقالة لم تكن مجرد حدث إداري عابر، بقدر ما كشفت عن عبثية التدبير الحكومي، نتيجة التلكؤ في تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، وما ترتب عن ذلك من هدر للزمن الإصلاحي.
وإمعانا في قتل النص القانوني، أقرت الوزارة مقاربة غريبة لتقييم مشروع الريادة، حيث عطلت من جهة عملية التقييم الداخلي، الذي يفترض أن تتولاه السلطات التربوية بمقتضى المادة 53 من القانون الإطار، عبر هيئة التفتيش والتأطير والمراقبة والتقييم، التي أريد لها أن تستهلك في مهام تدبيرية لا تنسجم مع هويتها المهنية، وهمشت من جهة أخرى آراء المجلس الأعلى للتربية والتكوين، صاحب الاختصاص الحصري في كل ما يتعلق بالتقييم الخارجي وفقا للمادة 54 من القانون ذاته. واستعاضت الوزارة عن ذلك كله بمكاتب دراسات وجهات خارج المنظومة تؤدي لها من المال العام، ومنها "معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)"، و"المرصد الوطني للتنمية البشرية (ONDH)"، مقابل تقارير تمجد المشروع وتنوه بنتائجه الباهرة، التي لا يراها إلا من أعدها تحت الطلب، ومن مظاهر عبثية هذا المسلك، أن بعض من كلفوا بتقييم المشروع لمنح ما سمي ب"شارة الريادة"، لم يكونوا قادرين، أثناء تعبئة شبكات التقييم، على التمييز بين "البنات" و"اللبنات"، وتلك قصة لا يعرفها إلا أهل الميدان.
إن الموقف المتحفظ للوزارة من آراء المجلس الأعلى للتربية والتكوين حول مشروع الريادة، مرده بالأساس القرير الذي اصدره المجلس في مارس 2025، الذي يبدو أنه وضع الوزارة في موقف لا تحسد عليه، بعد أن كشف عن وجود تفاوتات وفوارق كبيرة بين المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق النائية والقروية، وشكك في شمولية ومردودية التعلمات، فرغم ما رصده من التحسن في مهارات الحساب واللغة الفرنسية، إلا أنه سجل تراجعا المردودية في اللغة العربية، مشيرا إلى أن ما بين 26% و55% من التلاميذ لم يظهروا أي تحسن ملموس في هذه المادة، أضف إلى ذلك إشارته إلى كون المقاربات المعتمدة في المشروع تركز على المهارات الأساسية البسيطة، وتغفل تنمية كفايات الابتكار والتفكير النقدي لدى التلاميذ، فضلا عن حديثه عن ملاحظات مرتبطة بضعف التنسيق والحكامة، والانزياح عن مقتضيات القانون الإطار والرؤية الاستراتيجية للإصلاح. ولعل ذلك ما عجل حسب بعض المراقبين بإعفاء الحبيب المالكي من رئاسة المجلس، إذ صدر قرار الإعفاء أسبوعا واحدا فقط بعد عرض التقرير!!!.فالراجح أن النبرة الحادة وغير المتوقعة للتقرير قد شكلت حرجا سياسيا كبيرا للحكومة والوزارة، ونسفت السردية التسويقية لنجاح المشروع.
واليوم، وبعد تنصيب حكومة جديدة، وتعيين وزير سياسي على رأس قطاع التربية الوطنية، لا يبدو أن نموذجا بيداغوجيا ولد خارج الشرعية القانونية سيصمد طويلا، على الرغم مما يمكن أن يحمله من بعض الإيجابيات التي يمكن أن تستثمر وترصد، لأن خطيئة النشأة أكبر من أن تحجبها لغة الأرقام والمؤشرات، فلا سبيل للوزير الجديد، سوى إعادة القطار إلى سكته الصحيحة، وفق مقاربة تعلي مرجعية القانون، وتحفظ أدوار المؤسسات، وترصد المكتسبات، وتعيد النظر في بعض الاختيارات، وأولى تلك الخطوات هي التسريع بتفعيل عمل اللجنة الدائمة لملاءمة المناهج والبرامج، وإحالة مشروع الريادة عليها، كي تخضعه لتقييم موضوعي هادئ، يفضي إلى اتخاذ ما يلزم من قرارات، دون أن يتسبب ذلك في أي إرباك لموسم دراسي انطلق قبل أن يلج السيد الوزير باب الوزارة.






