وفي الحالة المغربية، تبرز هذه الإمكانات باعتبارها فرصة لتجديد نموذج التنمية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدة المشاركة في تدبير الشأن العام. غير أن تحويل هذا الرصيد إلى قوة اقتراح وإنتاج وتأثير يقتضي تجاوز المقاربات التقليدية، والانتقال من تدبير العلاقة مع مغاربة العالم إلى بناء شراكة استراتيجية متكاملة معهم.
التحدي لم يعد في استحضار أهمية مغاربة العالم، بل في ابتكار الوسائل التي تجعل من هذه الأهمية قيمة مضافة ملموسة للاقتصاد والديمقراطية والتنمية.
من اقتصاد التحويلات إلى اقتصاد المبادرة
تشكل التحويلات المالية لمغاربة العالم رافداً مهماً للاقتصاد الوطني، غير أن الرهان المستقبلي ينبغي أن يتجاوز أثرها المباشر في الاستهلاك والتوازنات المالية، نحو استثمار أوسع في الإنتاج والابتكار وخلق فرص الشغل.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية التحويلات أو فرض وجهة معينة عليها، بل بتوفير بيئة تجعل الاستثمار في المغرب خياراً جذاباً وآمناً ومجدياً، بالنسبة إلى المواطن المقيم بالخارج الذي يرغب في توظيف مدخراته في مشروع اقتصادي.
ويبدأ ذلك بإعادة التفكير في العلاقة بين المستثمر المغربي بالخارج والإدارة الوطنية. فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى التحفيزات المالية، وإنما إلى وضوح القواعد، واستقرار الإطار القانوني، وسرعة الإجراءات، وسهولة الولوج إلى المعلومات، ووجود مخاطب مؤسساتي قادر على مواكبته من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، يمكن تطوير منظومة وطنية متكاملة للاستثمار الخاص بمغاربة العالم، تربط بين فرص الاستثمار في الجهات، وحاجيات الاقتصاد الوطني، والمؤهلات المهنية والمالية للمستثمرين. ولا ينبغي أن تكون هذه المنظومة مجرد بوابة إلكترونية لتبادل المعلومات، بل آلية عملية لتعبئة المشاريع، وربط أصحابها بالشركاء المحليين، وتيسير التمويل، وتتبع التنفيذ، ومعالجة العقبات الإدارية.
كما أن تنويع الاستثمارات يمثل ضرورة اقتصادية. فإلى جانب العقار والتجارة، تتوفر فرص واعدة في الصناعة، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، والسياحة المستدامة، والخدمات الصحية، والتكنولوجيات المتقدمة. ويمكن لمغاربة العالم، بفضل معرفتهم بالأسواق الدولية وشبكاتهم المهنية، أن يساهموا في إدماج المقاولات المغربية في سلاسل القيمة العالمية، وفتح منافذ جديدة أمام المنتجات والخدمات الوطنية.
إن القيمة الاستراتيجية لهذه الفئة لا تكمن فقط في قدرتها على ضخ رؤوس الأموال، بل كذلك في قدرتها على نقل نماذج التدبير الحديثة، واستقطاب الشركاء، وتحسين الإنتاجية، وربط الاقتصاد المغربي بمنظومات الابتكار الدولية.
الكفاءات المهاجرة: استثمار في المعرفة قبل رأس المال
إذا كان رأس المال ضرورياً لتمويل التنمية، فإن المعرفة أصبحت أحد أهم محددات التنافسية الاقتصادية. ومن هنا تبرز أهمية إعادة تعريف مفهوم مساهمة مغاربة العالم، بحيث لا يظل محصوراً في الاستثمار المالي، وإنما يشمل أيضاً نقل الخبرات وتوطين التكنولوجيا وتطوير البحث العلمي.
فالمغرب بحاجة إلى الاستفادة من خبرات الأطباء والمهندسين والباحثين والخبراء الماليين والمتخصصين في الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتدبير الصناعي، فضلاً عن الكفاءات التي راكمت تجارب في المؤسسات الدولية والجامعات ومراكز البحث والمقاولات الكبرى.
ولا ينبغي أن ترتبط هذه التعبئة بشرط العودة النهائية إلى الوطن. فقد أصبح بالإمكان بناء أشكال مرنة من التعاون تسمح للخبراء بالمساهمة في المشاريع الوطنية، وتكوين الأطر المغربية، والإشراف على أبحاث مشتركة، ومواكبة المقاولات الناشئة، والمشاركة في تطوير السياسات العمومية، مع الاحتفاظ بمواقعهم المهنية في بلدان الإقامة.
وهنا تبرز الحاجة إلى برنامج وطني لتداول الكفاءات والمعرفة، يقوم على تحديد الحاجيات الحقيقية للاقتصاد والإدارة والجامعات، ثم ربطها بخبراء مغاربة مستعدين للمساهمة. ويمكن أن يتخذ ذلك شكل عقود خبرة قصيرة المدى، أو شراكات بين الجامعات ومراكز البحث، أو شبكات مهنية متخصصة، أو برامج لمواكبة المقاولات المغربية نحو التصدير والابتكار.
والغاية ليست استعادة الكفاءات جغرافياً بقدر ما هي استعادة قدرتها على الإسهام في التنمية الوطنية. فالمواطنة في عالم مترابط تتيح أشكالاً متعددة من المشاركة، ولا ينبغي اختزالها في الإقامة داخل الحدود.
الجهات المغربية في قلب المعادلة
لن تتحقق هذه الدينامية إذا ظلت المبادرات متمركزة في المستوى الوطني، أو إذا استمر التعامل مع مغاربة العالم باعتبارهم فئة متجانسة لا تختلف حاجياتها وفرصها باختلاف بلدان الإقامة أو الأجيال أو المؤهلات.
إن العلاقة مع مغاربة العالم ينبغي أن تتحول إلى شراكة ترابية، تمنح الجهات والجماعات الترابية دوراً أكبر في استقطاب الاستثمارات والكفاءات. فلكل جهة مؤهلات اقتصادية وحاجيات تنموية خاصة، ولكل منها أبناء في الخارج يمكن أن يشكلوا جسراً نحو الأسواق والخبرات والتمويل.
ويمكن، في هذا السياق، تطوير عروض استثمارية جهوية واضحة، تتضمن المشاريع ذات الأولوية، وفرص الشراكة، والبنيات التحتية المتاحة، والحاجيات من التكنولوجيا والخبرة. كما يمكن إحداث شبكات تربط المستثمرين والكفاءات المنحدرة من كل جهة بالجامعات والمقاولات والمراكز الجهوية للاستثمار والفاعلين المحليين.
ومن شأن هذا التوجه أن يربط مساهمة مغاربة العالم بهدفين متكاملين: تعزيز الإنتاج الوطني، والحد من التفاوتات المجالية من خلال توجيه المبادرات نحو مناطق تحتاج إلى مزيد من الاستثمار وفرص الشغل.
المشاركة السياسية: استكمال المواطنة خارج الحدود
غير أن العلاقة الاستراتيجية مع مغاربة العالم لا يمكن أن تكتمل من دون مراجعة موقعهم في الحياة السياسية والمؤسساتية. فالمواطن المغربي المقيم بالخارج ليس مجرد مستثمر محتمل أو حامل لجواز سفر مغربي، وإنما مواطن له حقوق ومصالح وتطلعات، ويمكن أن يسهم في النقاش العمومي وفي صياغة الخيارات الوطنية.
وقد كرس دستور 2011 هذا المبدأ، ولا سيما من خلال الفصول 16 و17 و18، التي تؤكد حماية حقوق المغاربة المقيمين بالخارج، وتمتعهم بحقوق المواطنة الكاملة، بما فيها التصويت والترشح، والسعي إلى ضمان مشاركتهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة.
ويكمن التحدي في الانتقال من الاعتراف الدستوري إلى تفعيل أكثر انتظاماً ونجاعة، عبر دراسة الصيغ القانونية والعملية التي تيسر ممارسة الحقوق السياسية، وتطوير قنوات مشاركة مغاربة العالم في النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد.
ويستدعي ذلك حواراً مؤسساتياً جاداً حول سبل تيسير المشاركة الانتخابية، وإمكانيات تعزيز التمثيلية السياسية، وتوسيع حضور الكفاءات المقيمة بالخارج في الهيئات الاستشارية، مع مراعاة الضوابط الدستورية والقانونية ومتطلبات التمثيل الديمقراطي الفعلي.
كما أن الأحزاب السياسية مدعوة إلى تطوير علاقتها بمغاربة العالم، ليس من خلال التواصل الظرفي أو استحضارهم خلال الاستحقاقات الانتخابية فقط، بل عبر فتح فضاءات مستدامة للنقاش، وإشراكهم في إعداد البرامج، والاستفادة من تجاربهم في مجالات الحكامة والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات الدولية.
إن المشاركة السياسية لا تعني نقل النماذج الحزبية من بلدان الإقامة إلى المغرب، بل تعني توسيع قاعدة النقاش الوطني والاستفادة من تعدد الخبرات، مع الحفاظ على خصوصية المؤسسات المغربية واستقلالية القرار الوطني.
من الاستشارة إلى التأثير في السياسات العمومية
إن أحد أوجه القصور المحتملة في تدبير العلاقة مع مغاربة العالم يتمثل في الاكتفاء بتنظيم اللقاءات والاستشارات من دون إرساء آليات واضحة لتتبع المقترحات وتقييم أثرها.
ومن ثم، فإن تطوير دور المؤسسات المعنية بالجالية، وفي مقدمتها مجلس الجالية المغربية بالخارج، ينبغي أن يتجه نحو تعزيز مساهمتها في بلورة التوصيات والسياسات العمومية، في إطار اختصاصاتها القانونية وبالتكامل مع المؤسسات المنتخبة والقطاعات الحكومية المعنية.
ويمكن إرساء آلية وطنية للحوار المنتظم تجمع ممثلي مغاربة العالم بالقطاعات الحكومية والبرلمان والجهات والفاعلين الاقتصاديين، وتتيح مناقشة الملفات ذات الأولوية، من الاستثمار والحماية الاجتماعية إلى التعليم والثقافة والحقوق السياسية.
لكن نجاح هذه الآلية يقتضي أن تتجاوز الاستشارة شكلها التقليدي، عبر نشر خلاصات النقاش، وتحديد الجهات المسؤولة عن دراسة المقترحات، والإعلان عن مآلها، وتقديم تفسيرات واضحة بشأن ما تم اعتماده وما تعذر تنفيذه.
بهذه الطريقة، تصبح المشاركة قابلة للتقييم، ويصبح الحوار أداة لتحسين القرار العمومي، لا مجرد مناسبة للتواصل المؤسساتي.
ويكتسي إشراك الأجيال الجديدة أهمية خاصة في هذا المسار. فالشباب من الجيلين الثاني والثالث يعيشون في فضاءات ثقافية ومهنية متعددة، ويمكنهم أن يشكلوا جسراً بين المغرب ومحيطه الدولي في مجالات الابتكار والمقاولة والثقافة والدبلوماسية العلمية. واستدامة ارتباطهم بالوطن تتطلب فرصاً ملموسة للمشاركة، لا الاكتفاء بخطاب الانتماء والذاكرة.
شراكة جديدة تحتاج إلى حكامة جديدة
إن تحويل هذه الرؤية إلى نتائج يقتضي وضوحاً في المسؤوليات وتنسيقاً بين المؤسسات. فالتحدي لا يتمثل في مضاعفة البرامج والهياكل، وإنما في جعل المبادرات القائمة أكثر تكاملاً وفعالية، وتفادي تشتت الاختصاصات وتكرار الإجراءات.
ويستحسن أن تقوم الاستراتيجية الوطنية على أهداف قابلة للقياس، تشمل حجم الاستثمارات المنتجة، وعدد المقاولات المحدثة، وفرص الشغل الناتجة عنها، ومساهمات الخبراء في البحث والتكوين، ومدى تيسير ممارسة الحقوق السياسية، ونسبة المقترحات التي جرى التعامل معها مؤسساتياً.
كما ينبغي أن ترتكز هذه الشراكة على الثقة والشفافية وتكافؤ الفرص، مع ضمان حماية حقوق المستثمرين والمواطنين، وتوفير قنوات فعالة للتظلم، ونشر نتائج دورية تسمح بتقييم الأداء وتصحيح الاختلالات.
فالثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما بتجربة ملموسة يشعر من خلالها المواطن المغربي بالخارج أن خبرته محل تقدير، وأن استثماره يحظى بالمواكبة اللازمة، وأن صوته يجد قنوات مؤسساتية واضحة، وأن علاقته بوطنه لا تختزل في واجباته المالية أو الرمزية.
رهان يتجاوز الجالية إلى مستقبل المغرب
إن إدماج مغاربة العالم في التنمية الاقتصادية والمشاركة السياسية ليس ملفاً قطاعياً معزولاً، بل خيار استراتيجي يرتبط بمستقبل النموذج التنموي المغربي، وبقدرته على تعبئة مختلف موارده البشرية والمعرفية، وتعزيز انفتاحه الاقتصادي، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار.
فالمغرب يمتلك فرصة لبناء نموذج يجعل من الانتشار الدولي لمواطنيه مصدر قوة اقتصادية ومعرفية ومؤسساتية، شريطة الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى رؤية متكاملة، ومن استحضار الجالية بوصفها رصيداً وطنياً إلى إشراكها باعتبارها شريكاً في إنتاج الحلول.
المعادلة واضحة: لا تنمية مستدامة من دون تعبئة المعرفة، ولا مواطنة كاملة من دون مشاركة فعلية، ولا شراكة استراتيجية من دون ثقة متبادلة.
وعندما يجد المغربي المقيم بالخارج مكاناً حقيقياً للاستثمار والابتكار والمساهمة في القرار، يصبح ارتباطه بالوطن أكثر من علاقة وجدانية عابرة للحدود؛ يتحول إلى مساهمة مستمرة في بناء اقتصاد أقوى، ومؤسسات أكثر انفتاحاً، وتنمية أكثر شمولاً. وذلك هو الرهان الحقيقي: أن يصبح مغاربة العالم جزءاً من الحلول الوطنية، لا مجرد مورد تستدعيه الحاجة، بل شركاء في تحديد الأولويات وصناعة المستقبل.






